تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

06:00
دقائق
تنوين
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

إنَّ حكومةَ صاحب الجلالةِ تنظر بعينِ العطفِ إلى تأسيسِ وطنٍ قوميٍّ للشعبِ اليهوديِّ في فلسطينَ، وستُبذلُ قُصارى جهدها لتحقيق هذه الغاية؛ على ألّا يجري أيُّ شيء قد يؤدي إلى الانتقاص من الحقوق المدنيةِ والدينية للجماعات ِ الأخرى المقيمةِ في فلسطين، أو من الحقوقِ التي يتمتَّعُ بها اليهودُ في البلدان الأخرى أو يؤثرُ في وضعهمُ السياسي. سأكون ممتنَّاً لك إذا ما أحطتُم الاتحادَ الصهيوني علماً بهذا البيان.

المُخلص: آرثر بلفور”.

بهذه الرسالةِ القصيرةِ التي لا تتجاوزُ الأسطرَ العشرة؛ بدأ تاريخٌ جديدٌ في المنطقةِ العربيةِ بشكلٍ عام، وفي فلسطينَ بشكلٍ خاص، حيث مهّدتْ هذه الرسالةٌ وهذا الوعدُ لأكبرِ عمليةِ احتلالٍ في العصرِ الحديث، على مرأى ومسمعِ العالم ِكلّه.. فمن أينَ بدأتِ الحكاية؟


2 حدث لمنطقة بلاد الشام في آخر مئةِ ١٠٠ سنة (سوريا، الأردن، فلسطين، لبنان)

يقولُ أهلُ السيَر إنّ الحدثَ التاريخيَّ لا يُعرف أثَرُه إلا بعدَ مرورِ سنواتٍ طويلةٍ، والمنطقة العربية التي اشتُهرت باسم “بلاد الشام” في القرن الماضي (والتي تضم سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) شهدت أحداثاً وتطورات كبيرة، بعضُها غيّر وجهَ المنطقةِ للأبد، ولا تزال بعضُ هذه الأحداثِ تلقي بظلالها علينا بين حين وآخر.

ومن الطبيعيِّ ألا تكونَ هذه المُجريات على قدْر واحد من الأهمية، لكنْ من المؤكدِ أنّ كلاً منها ألقى حصاةً في نهرِ التاريخ، وكلُّ حدثٍ منها أخذَ بقدمِ أخيه كأحجار الدومينو؛ حتى ليظُنّ المطلّعُ أنّ الحدثَ الأخير ما هو إلا حلقةٌ مؤجلةٌ من الحدث الأول أو سببٌ غير مباشر له.

إذا أردنا تقسيمَ التاريخ الحديث إلى حلقات منفصلة، وهذا أمرٌ بالغُ الخطورةِ إذ إنّ الأحداثَ التاريخيةَ لا تكونُ بهذه البساطةِ والسلاسةِ في الانتقاِل من النقطةِ أ إلى النقطة ب، لكن يمكننا رصدُ معالم ِ التغييراتِ الكبيرة ِنسبياً بربطِها بالأحداثِ العظيمةِ التي يُعَدّ ما قبلَ حدوثِها مرحلةً، وما بعد حدوثها مرحلةً أخرى تماماً.

ولتسهيلِ عمليةِ المتابعة ِ دعونا نقسّمُ المراحلَ التي نريدُ الحديثَ عنها إلى “بلوكات” زمنية.

فسلسلةُ الأحداثِ التي نرتجيْ التوقفَ عندَها ومعرفةَ آثارِها تقعُ في الفترةِ الزمينةِ بين الحرب ِالعالميةِ الأولى عامَ ألفٍ و تسعمئةٍ وأربعة عشرَ و عامَ ألفٍ و تسعمئةٍ و ثمانيةَ عشر [ 1914-1918 ] وصولاً إلى وقتِنا الحاليِّ عام ألفين و عشرين [ 2020 ].

=================================================

الزمان: تشرينُ الثاني عام ألفٍ و تسعمئةٍ و سبعة عشر 1917

المكان: وزارة الخارجية البريطانية

الحدث: “عزيزي اللورد روتشيلد..

يسرُّني أن أبلغَكم بالنيابة عن حكومة جلالتهِ بالتصريح التالي الذي يُعبّر عن التعاطفِ مع طموحاتِ اليهود الصهاينة التي تمَّ تقديمُها للحكومةِ وقد وافقتْ عليها.

إنَّ حكومةَ صاحب الجلالةِ تنظر بعينِ العطفِ إلى تأسيسِ وطنٍ قوميٍّ للشعبِ اليهوديِّ في فلسطينَ، وستُبذلُ قُصارى جهدها لتحقيق هذه الغاية؛ على ألّا يجري أيُّ شيء قد يؤدي إلى الانتقاص من الحقوق المدنيةِ والدينية للجماعات ِ الأخرى المقيمةِ في فلسطين، أو من الحقوقِ التي يتمتَّعُ بها اليهودُ في البلدان الأخرى أو يؤثرُ في وضعهمُ السياسي. سأكون ممتنَّاً لك إذا ما أحطتُم الاتحادَ الصهيوني علماً بهذا البيان.

المُخلص: آرثر بلفور”.

بهذه الرسالةِ القصيرةِ التي لا تتجاوزُ الأسطرَ العشرة؛ بدأ تاريخٌ جديدٌ في المنطقةِ العربيةِ بشكلٍ عام، وفي فلسطينَ بشكلٍ خاص، حيث مهّدتْ هذه الرسالةٌ وهذا الوعدُ لأكبرِ عمليةِ احتلالٍ في العصرِ الحديث، على مرأى ومسمعِ العالم ِكلّه.. فمن أينَ بدأتِ الحكاية؟

لنفهمَ تفاصيلَ القصةِ علينا أن نعودَ بالتاريخ ِللوراء قليلاً، وتحديداً لمرحلة الاستعمارِ الأوربي ِّالذي بدأ نشاطُه في القرن الثاني عشر الميلادي، وكان في بدايتِه يغلبُ عليه الطابعُ التجاري، قبل أن تتحولَ الغزواتُ الأوربيةُ إلى حروبٍ مُقدّسةٍ دينيةٍ بلغتْ ذِروتَها فيما يعرفُ بالتاريخِ باسم “الحروب الصليبية”.

مع نهاية القرن الثامن عشر، بدأتْ مخايلُ الضعفِ تظهرُ في جسم ِالدولة العثمانية، وكان من الواضح ِأنّ هذا أسعدَ الدول الأوربية المستعمرةِ لاقتسامِ الغنائم منها، والسيطرةِ على مقدراتها.

وكانت كلٌ من فرنسا وبريطانيا فرسَي رهانٍ في سباق ِالاستعمارِ، فقُسّمتِ البلاد العربيةُ بين هاتين الدولتين، وكانتْ سورية ولبنان تحتَ الانتداب الفرنسي، وفلسطينَ تحتِ الوصايةِ البريطانيةِ، ومن هنا بدأت الحكاية.

فلاش باك.. من هو بلفور؟

سياسيٌ بريطاني ولد في الخامسِ و العشرينَ 25 يوليو/ من تموز ألفٍ و ثمانمئةٍ و ثمانيةٍ و أربعين 1848 في ويتنغهام التي أصبحتْ تُعرفُ اليومَ باسم لوثيان، وتقعُ في اسكتلندا، وهو من عائلةٍ ثريةٍ أرستقراطية، وكان أبوه برلمانياً في اسكتلندا. تلقَّى تعليماً دينياً من أمِّه في طفولته. شُغِف بالفِكْر الفلسفيِّ الدينيِّ، وتشبّعَ بتعاليمِ العهدِ القديم (التوراة).

انتُخِبَ عضواً في البرلمانِ البريطاني عن منطقةِ هيرتفورد، وترقّى في صفوفِ حزبِه فأصبح َ زعيمَ كتلةَ حزبِ المحافظينَ في البرلمانِ البريطاني من 1891 عام ألفٍ و تثمانمئةٍ و واحدٍ و تسعين إلى ألفٍ و تسعمئةٍ واثنين 1902، وعُيِّن رئيساً لوزراء بريطانيا بين عامي ألفٍ و تسعمئةٍ و واثنين و عام ألفٍ و تسعمئة و خمسةٍ (1902-1905)، وشغلَ عدةَ مناصبَ وزاريةٍ أخرى أهمَّها وزيرَ الخارجية من عام ألفٍ و تسعمئةٍ وستة عشر َ و عام ألفٍ و تسعمئةٍ و تسعة عشرَ 1916 إلى سنة 1919.

عُرف عنه إعجابُه ببعضِ زعماءِ الحركةِ الصهيونيةِ مثلَ لويس برانديز وحاييم وايزمان الذي التقاه عام ألفٍ و تسعمئةٍ وستة 1906، وحين تولى وِزارةَ الخارجيةِ أصدرَ قرارَه المعروف بـ “وعد بلفور” عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعةِ عشر 1917 الذي تعهدتْ فيه بريطانيا بالعملِ على إنشاء “وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين”.

كيف تسللت قصة “الوطن القومي لليهود” إلى عقول البريطانيين؟

بوغروم ودريفوس.. والاقتناع بعدم الاندماج

تشيرُ المصادرُ التاريخية أنّ هاتينِ الحادثتين كانتا الشرارةَ غيرَ المرئيةِ التي جعلتْ قادة َالحركة الصهيونية ” ومن أشهرهم هرتزل” يفكرونَ جدياً بانعدامِ جدوى الاندماجِ في المجتمعاتِ الأوربية، والبحث عن ملاذ آمن ليهود أوربا.

“بوغروم” كلمة روسية معناها ” تدمير” أو “هجوم” أو” فتك” أو “مذبحة”، وعادةً ما تكون المذبحةُ مُنظّمةً لتدميرِ جماعةٍ أو طبقةٍ معينة. وقد دخلتِ اللغاتُ الأوروبيةُ بمنطوقِها الروسي، وضاقَ مجالهُا الدلالي حيث أصبحت تشير إلى الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية.

وتعدُّ أهمُّ الهجماتِ في العصرِ الحديثِ تلك التي نظمتْها العناصرُ الرجعيةُ الروسيةُ في أواخرِ القرنِ التاسعِ عشر (خصوصاً جماعة المئة السود)، والتي يقالُ إنَّها كانت تتمُّ بموافقةِ النظام ِالقيصريِّ وممالأة ِ وزراء الداخلية. وقد تصاعدتِ الهجماتُ قبلَ صدورِ قوانينِ مايو/أيار عام ألفٍ و ثمانمئةٍ و واحدٍ و ثمانين 1881 وبعدها، ومن أهمِّهما مذبحةُ كيشينيف.

أما حادثةُ دريفوس فبطلُها هو ألفرد دريفوس (1856-1935) ألفٍ وثمانمئةٍ و ستةٍ و خمسين و عام ألفٍ و تسعمئةٍ خمسةٍ و ثلاثينَ الذي كانَ من كبارِ الضباطِ الفرنسيينَ واليهوديَّ الوحيدَ في أركانِ الجيشِ الفرنسي. وُلدَ في مقاطعةِ الألزاس باسم “ولهاوزن”، ونظراً لأنَّ اسمه ألماني الطابعِ فقدْ غيَّره إلى الاسم الذي اشتهر به.

اتُّهم “دريفوس” بسرقةِ وثائقَ سريةٍ عسكريةٍ بمساعدةِ الماسونيين وتسليمِها للملحقِ العسكريِّ الألمانيِّ في باريس، فوجهتْ له تُهمة الخيانة العظمى والتجسس لحساب ألمانيا عام ألفٍ ثمانمئةٍ و أربعة وتسعين 1894، وقامتِ السلطاتُ بمحاكمتِه، وفي نهاية الأمر حُكم عليه بالسجن مدى الحياة وجُرّد من رتبته علناً أمام الجماهير ونُفي إلى جزيرة الشيطان.

في عام ألفٍ و ثمانمئةس و ستةٍ و تسعين 1896 اكتشفَ رئيسُ مخابراتِ الجيش “جورج بيكار” أدلةً تُثبت براءةَ “دريفوس” من التُّهمِ المنسوبةِ إليه، وتشير بأصابعِ الاتهامِ إلى شخصٍ آخرَ هو الميجور “أستر هازي” الذي لعبَ دوراً مهماً في سَيرِ أحداثِ القضية؛ إذِ انتهتْ إلى الإدانة التامة لدريفوس. وحاولَ بيكار إقناع المسؤولينَ بإعادةِ المحاكمة، لكنَّه أُمر بالتزامِ الصمت ونُقل إلى تونسَ بسبب ذلك.

يقال إنَّ واقعة دريفوس تركتْ أثراً عميقاً في نفس “ثيودور هرتزل” إلى درجة اكتشف معها عبث محاولة الاندماج، وتبنّى بدلاً منها الحل الصهيوني.

بريطانيا وجاليتها اليهودية

يُفيد عبد الوهاب المسيري في موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، بأنَّ الفكرةَ الصهيونية عُرضتْ على اليهودِ الإنجليز المندمجينَ في المجتمعِ البريطانيِّ فعارضوها، بينما أيَدَها يهودُ اليديشية الذين تضاعفتْ أعدادُهم في بريطانيا عشرَ مرات جراءَ الهجرة ِمن شرقِ أوروبا بين عامي ألفٍ و ثمانمئةٍ و خمسين و عام ألفٍ و تسعمئةٍ و عشرة 1850 و1910 ليبلغوا 242 ألفاً. مئتين واثنين و أربعين ألفا

وفي عام ألفٍ و تسعمئةٍ 1900 عُقد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن، وتوجّه فيه “ثيودور هرتزل” إلى يهود اليديشية جَرّاء معارضةِ يهودِ إنجلترا للمشروع الصهيوني. وفي عام ألفٍ و تسعمئةٍ واثنين 1902 نجحَ أحدُ أصدقائه في دعوته للمثول أمامَ اللجنةِ الملكية، حيثُ قدم حلاً صهيونياً مفادُه تحويلُ الهجرة ِ اليهودية من إنجلترا إلى أيِّ بقعةٍ خارجَ أوروبا، فعرضَ مشروعاً لتوطينهم في أوغندا شرق أفريقيا.

إلا أنَّ مشروعَ الاستيطانِ في فلسطين ظهرَ على يد خلفاء “هرتزل” على رأسِ الحركة الصهيونية، وبالتحديد “حاييم وايزمن” - مقطع لوايزمن ودوره في تسهيل عملية الاعتراف البريطاني باليهود-

وهو عالمُ كيمياء يهوديٌّ روسيُّ الأصل، درس في ألمانيا وانتقل للعيش في بريطانيا عامألفٍ و تسعمئةٍ وأربعةٍ 1904؛ حيث عملَ أستاذاً في جامعة مانشستر، ومع إنشاء إسرائيل عام ألفٍ و تسعمئةٍ وثمانيةٍ و أربعين 1948 أصبح أولَ رئيسٍ لها.

مع اندلاعِ الحرب العالمية الأولى، طلب وايزمن من لويد جورج -الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء- أن يقابلَ “هربرت صمويل” القياديَّ اليهوديَّ في الحزب الليبرالي، وعبَّر عن خوفِه من أن يكونَ صمويل -مثل سائر يهود إنجلترا- معادياً للصهيونية، ولكنَّه فوجئ َ بأنَ صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأنَّ طلباتِه هذه متواضعةٌ أكثرَ من اللازم، وأن عليه أن يفكِر بمستوى أكبر من ذلك.

ما الذي جعل بريطانيا متحمسة للفكرة الصهيوينة أكثر من غيرها؟

تضافرت في التأييدِ البريطانيِّ للطموحاتِ الصهيونية عواملُ متعدّدةٌ، من الحساباتِ السياسيةِ إلى التحيزات الثقافية، ولخَّص هربرت أسكويث سَلَفُ لويد جورج في رئاسة الحكومة عام ألفٍ و تسعمئةٍ وستة عشر 1916 مفهومَ التحيزِ الثقافي بقوله: إن الأخيرَ لم يكن يكترثُ لليهود، بل كان كلُّ همُّه أن يحُولَ دون سيطرةِ فرنسا الملحدةِ على الأراضي المسيحيةِ المقدسةِ.

يربِط الأكاديميُّ البريطانيُّ “ليونيل غوسمان” أسبابَ الدعمِ البريطانيِّ للصهيونية بمُجرَيات الحرب العالمية الأولى. ويقولُ إن هنالكَ تفسيراتٍ، أولها: استراتيجيّ؛ حيث إن إنشاءَ مستعمرةٍ يهوديةٍ مُعتمِدة على بريطانيا على مقرُبة من قناة السويس قد يكون مفيداً في تحقيقِ الغايةِ الاستراتيجية لبريطانيا المُتمثّلة بحمايةِ الطريق إلى الهند.

والثاني: “لا سامية الاستعلاء” القائمُ على الاعتقاد بأن اليهود يُمسكون بزمام الأمور من خلف الكواليس، ويُسيطرون من طَرْفٍ خفيٍّ على الحكومات بما في ذلك الحكومةُ الروسيةُ والأميركية، وكان لدى “ولسون” مستشارونَ يهودٌ صهاينةٌ تتطلّع ُبريطانيا لضمانِ إبقائِهم، وقد كان أبرزُ مُستشاريه “كفليكس فرانكفورتر وليوس برانديز” من الصهاينة المتحمسين، وعلى الرغم من أن الولاياتِ المتحدةَ دخلتِ الحربَ في نهاية الأمر فإن البريطانيينَ كانوا مُرتابين من أمرِ الرئيس “ولسون”، لذا كان من مصلحةِ بريطانيا وجودُ مستشارينَ يُحفّزونه على البقاء والقتالِ حتى النهاية.

والتفسير الثالث: -حسب “غوسمان”- هو الثورة البلشفية حيث كان الكثير من زعمائها من أصلٍ يهوديٍّ، وكان البريطانيون يظنون أن الانتماءَ اليهوديَّ لليهود البلاشِفَةِ يطغى على انتماءاتِهم الأخرى. ولذلك رأَوا أنه لا بدّ من منحِ اليهودِ شيئاً يُرضيهم ويضمنُ التزامَهم هم أيضاً بخوضِ القتالِ حتّى آخرِ لحظة.

في الواقعِ كان هناك عاملانِ حاسمانِ في تلاقي المصالحِ البريطانيةِ-الصهيونيةِ، أولهما أنّ عالمَ كيمياءٍ روسيَّ الأصلِ في جامعة مانشستر يدعى “حاييم وايزمن” كان قد اكتشفَ طريقةً للإنتاجِ السهلِ والمُكَثّف لمادة الأسيتون الضروريةِ لتصنيعِ المتفجراتِ التي كانت بريطانيا بأمسِّ الحاجةِ إليها في الحرب، وهو ما دفعَ “لويد جورج” للقول على سبيل الدعابة إن “مادةَ الأسيتون جعلَتني أعتنقُ الصهيونية”.

السبب الثاني أن مجموعة من الناشِطين الصهاينةَ القادمين من شرقِ أوروبا قد بذلُوا خلالَ عشرين عاماً مساعيَ لدى النّخبة الحاكمةِ البريطانية، وقد تمكّنوا من إقناعها بأن دعمَ الأهدافَ الصهيونيةِ سيخدُمُ المصالحَ البريطانية.

سايكس بيكو وبلفور وتقاطع المصالح

في يونيو/حزيران 1917عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعةَ عشر اجتمع الزعيمانِ الصهيونيانِ “حاييم وايزمن واللورد روتشيلد” مع وزير الخارجيةِ البريطانيِّ اللورد “أرثر بلفور”، وطلبا إعلاناً رسمياً من الحكومة البريطانية بدعمِ الصهيونية. وبعد خمسةِ أشهرٍ بعَث اللورد بلفور رسالة إلى اللورد “روتشيلد” تتضمن نَصّ الوعد. وكان مُعدُّ الرسالةِ هو “حاييم وايزمن”.

وقد أُرسلَ وعدُ بلفور إلى روتشيلد في هذا الشهرِ الذي كَشَف فيه البلاشفةُ المُنقلبونَ على القيصرِ الروسيِّ في أدراجه وثيقةَ الاتفاقِ السريِّ بين الضابطِ البريطانيِّ “مارك سايكس” والدبلوماسيِّ الفرنسيِّ “فرانسوا بيكو”.

وكان الاثنانِ قد كُلفا بمعرفة روسيا بإجراءِ مُشاوراتٍ في إطارِ مساعيها لتقسيمِ ترِكةِ السّلطَنةِ العثمانيةِ التي كانت تُسمّى “الرجلَ المريضَ”، وجرت مراسلاتٌ سريةٌ وتبادلُ وثائقَ تفاهُمٍ في هذا الشأنِ بينَ وزاراتِ خارجيةِ البلدين، بين نوفمبر/تشرين الثاني 1915 عام ألفٍ و تسعمئةٍ وخمسةَ عشر ومايو/أيار ألفٍ و تسعمئةٍ وستةَ عشر 1916.

وكانت بريطانيا –الطرفَ الأقوى بينَ الدولِ المذكورةِ- تُجري اتصالاتٍ في الوقتِ نفسِه مع أميرِ مكةَ الشريفِ حسينِ بنِ علي، الذي كان يُخططُ لإعلانِ الثورةِ وتأسيسِ مملكةٍ عربية، وتمّ التوقيعُ على الاتفاقِ سراً بين “سايكس وبيكو” في ستةَ عشر 16 مايو/أيار ألفٍ و تسعمئةٍ وستةَ عشر 1916، وصادَقَ عليه وزيرُ الخارجية الروسيُّ “سازونوف”، لكن أمرَها كُشفَ دونَ رغبةِ الضالعينَ فيها في نوفمبر/تشرين الثاني من العامِ التالي.

رئيس الوزراءِ البريطانيّ “جونسون” يُعرّف ُرئيسُ وزراءِ الكيانِ الصهيونيّ “نتنياهو” على المكتبِ الرئيسيِّ الذي تمّ فيه توقيعُ “وعد بلفور”

سرد تاريخي من وعد بلفور حتى الاحتلال..

عندَ صُدُورِ وعدِ بلفور في الثامنِ 8 نوفمبر/تشرين الثاني ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعةَ عشر 1917، كان عددُ أفرادِ الجماعةِ اليهوديةِ في فلسطين يمثل خمسةً 5% من عدد السكان، وقد ضاعفتِ الحركةُ الصهيونيةُ أنشطةَ تهجيرِ اليهودِ إلى فلسطين بالتواطُؤِ مع حكومةِ الانتداب. ويُمكنُ تلخيصُ أبرزِ الأحداثِ التي سهّلت إنشاءَ دولةٍ لليهودِ في فلسطين كما يلي:

1919 في عام ألفٍ و تسعمئةٍ وتسعةَ عشر :خمسةٌ ثلاثون ألف يهودي يهاجرون إلى فلسطين، بحيث بلغت نسبة اليهود إلى مجموع السكان هذا العام اثني عشر بالمئة 12%، يملكون ثلاثة بالمئةِ 3% من الأراضي.

1920 : ألفٍ و تسعمئةٍ وعشرين إنشاء “الهاغاناه” المنظمةُ العسكريةُ السريةُ الصهيونية.

1924ألفٍ و تسعمئةٍ وأربعةً وعشرين إلى عام ٍ و عشرين -1928: 67 سبعةٌ و ستون ألفَ مهاجرٍ صهيونيٍّ يأتونَ إلى فلسطين، نصفُهُم من بولندا، فيرفعونَ نسبةَ اليهودِ إلى ستةَ عشر بالمئة 16% من مجموعِ السكان، يملكُونَ ما نسبتُه 4 أربعةٌ % من الأرض.

1925 ألفٍ و تسعمئةٍ وخمسةً و عشرين : تأسيسُ الحزبِ التصحيحيِّ في باريس، وهو يُصرُّ على إقامةِ دولةٍ يهوديةٍ في فلسطين وشرقِ الأردن.

1931: ألفٍ و تسعمئةٍ وواحدٍ و ثلاثين إنشاءُ منظمةِ الأرغون (الإيتسل) لمواجهةِ العربِ بعُنفٍ أشد.

:1936ألفٍ و تسعمئةٍ وستةٍ و ثلاثين لجنة بيل توصي بتقسيم فلسطين، بحيث يُصبحُ ثلاثة وثلاثين 33% من البلد دولةً يهوديةً، ويرحَلُ جزءٌ من السكانِ العربِ عن هذه الدولة.

مجلسُ العمومِ البريطانيُّ يصوّتُ لمصلحةِ الكتابِ الأبيضِ الذي يقضي بمنحِ فلسطينَ استقلالا مشروطاً بعد عشَرةِ أعوام، ويسمحُ بهجرةِ 15 خمسة عشرَ ألفَ يهوديٍّ سَنَوياً إلى فلسطين خلال الأعوام الخمسة التالية.

: 1947 ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعةٍ و أربعين بريطانيا تُعلِم الأممَ المتحدةَ -المُشَكّلةَ حديثاً- بأنها ستنسحِبُ من فلسطين، وفي التاسعِ و العشرين 29 نوفمبر/تشرين الثاني تتبنّى الأممُ المتحدةُ القرارَ مئة وواحدٍ و ثمانين 181 القاضي بتقسيمِ فلسطين.

: ألفٍ و تسعمئةٍ وثمانيةٍ و أربعين 1948الرئيسُ الأميركيُّ ترومان يتعهدُ بدعمِ “القضية الصهيونية”

مايو/أيارألفٍ و تسعمئةٍ وثمانيةٍ و أربعين 1948: إسرائيلُ تعلنُ الاستقلالَ والانتدابُ البريطانيُّ ينتهي.



المصادر:
1 كتاب الصهيونية واليهودية .. عبدالوهاب المسيري
2 مقال: ما هو وعد بلفور؟ bbc
3 100 عام على وعد بلفور: الجزيرة
4 وثائقي الجزيرة عن وعد بلفور:
5 وعد بلفور.. الحبر الذي قلب التاريخ - الجزيرة الوثائقية

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء