تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

36:00
دقائق
تنوين
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

بعدَ أن وضعتِ الحربُ العالميةُ الأولى أوزارَها، وانجلى غبارُ المعارك بينَ الحلفاء، جلسَت فرنسا وبريطانيا وروسيا لتقسيم أملاكِ الدولةِ العثمانيةِ المهزومة، فكان من فرنسا أن أرسلتْ قنصلَها العامَّ “جورج بيكو” مندوباً سامياً لمتابعة شؤون الشرقِ الأدنى، واجتمعَ بممثلِ بريطانيا “مارك سايكس” تحت إشرافِ مندوب روسيا، وعقدوا اجتماعاً سرياً خلَصوا فيه إلى تقسيمِ المنطقةِ العربيةِ إلى التالي:

استيلاءُ فرنسا على “سوريا” و”لبنان” و”أضنة”.

استيلاءُ بريطانيا على جنوبِ العراق والموصل ومناطقَ من بغداد وعكا وحيفا في فلسطين.

استيلاءُ روسيا على الولاياتِ الأرمنيةِ شمالَ تركيا وشمالَ كردستان.

وما يُهمّنا في هذه المعاهدةِ هو الجزءُ المتعلقُ بفرنسا حيث حصلتْ على “نصيبِ الأسد” باستيلائِها على منطقةٍ حيويةٍ واستراتيجيةٍ مثل سوريا.. فكيف كانت سياستُها في سوريا؟


معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية دمشق

لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ

لم يكن “يوسف العظمة” يُدركُ أنّ نهايتَه ستكون شبيهةً بصاحبِ هذا البيت، إذ قُبيلَ معركةِ الشرفِ الأخيرة؛ التي عُرفت في التاريخ باسمِ “معركة ميسلون” أنشدَ وزيرُ الدفاعِ السوري آنذاك “يوسفُ العظمة” أمامَ الملكِ فيصل هذا البيتَ رسالةً واضحةً لما يريدُ أن يقوم به أمامَ تقدُّمِ القواتِ الفرنسيةِ التي زحفت باتجاهِ دمشق في منتصف عام ألفٍ و تسعمئةٍ و عشرين 1920، تلك المعركةُ التي وإن انتهَت بهزيمةٍ لقواتِه السوريّةِ أمامَ قواتِ الجيشِ الفرنسي، إلا أنّها ستبقى مأثَرةً للتاريخ، يتعلّمها الصغيرُ قبل الكبير.. أنّ الموتَ في سبيلِ الكرامةِ هو أغلى أمنياتِ الشرفاء، وأن دخولَ المستعمرِ البلادَ فوق جُثثِ الشهداءِ أجدى من تسليمها له تسليمَ الخانعينَ الأذلاء.

بلادُ الشامِ في طاحونة الحرب

لم تكن سوريا بمنأى عن الأحداثِ الجسيمةِ التي عصَفَت ببلادِ الشام في مَطلَعِ القرنِ العشرين، فمن جهةٍ كانت الدولةُ العثمانيةُ تخوض متحالفةً مع ألمانيا غمارَ الحربِ العالميةِ الأولى، وبريطانيا وفرنسا تعقدانِ اتفاقيةَ سايكس-بيكو التي بمُوجبِها يقسّمان الجسدَ العربيَّ بينهما كشطيرةِ لحم، وفي بلاد القياصرة (روسيا) قامت الثورةُ البلشفيةُ ضدّ حكومةِ القيصرِ معلنةً بدايةَ عصرٍ جديد، وتوزيعٍ لمراكزِ القوى في العالم، وفلسطينُ تقبعُ تحتَ انتداب بريطانيٍّ يمهّد لاحتلالٍ إسرائيليّ لاحقٍ. .

في الجملةِ؛ لم تكن البلادُ حينَها تعرف طَعماً للهدوء، وكانت القلاقلُ والفتنُ والحروبُ والمؤامراتُ هي عنوانَ تلك المرحلة الصاخبة من عمر البشرية.. وسوريا لم تكن بعيدةً عن هذا الجوّ.

نقطة الانطلاق

بعدَ أن وضعتِ الحربُ العالميةُ الأولى أوزارَها، وانجلى غبارُ المعارك بينَ الحلفاء، جلسَت فرنسا وبريطانيا وروسيا لتقسيم أملاكِ الدولةِ العثمانيةِ المهزومة، فكان من فرنسا أن أرسلتْ قنصلَها العامَّ “جورج بيكو” مندوباً سامياً لمتابعة شؤون الشرقِ الأدنى، واجتمعَ بممثلِ بريطانيا “مارك سايكس” تحت إشرافِ مندوب روسيا، وعقدوا اجتماعاً سرياً خلَصوا فيه إلى تقسيمِ المنطقةِ العربيةِ إلى التالي:

استيلاءُ فرنسا على “سوريا” و”لبنان” و”أضنة”.

استيلاءُ بريطانيا على جنوبِ العراق والموصل ومناطقَ من بغداد وعكا وحيفا في فلسطين.

استيلاءُ روسيا على الولاياتِ الأرمنيةِ شمالَ تركيا وشمالَ كردستان.

وما يُهمّنا في هذه المعاهدةِ هو الجزءُ المتعلقُ بفرنسا حيث حصلتْ على “نصيبِ الأسد” باستيلائِها على منطقةٍ حيويةٍ واستراتيجيةٍ مثل سوريا.. فكيف كانت سياستُها في سوريا؟

فرنسا في سوريا.. الحلم القديم

لم ينسَ غورو بعد دخولِه إلى دمشقَ الذهابَ إلى قبرِ صلاح الدين، والوقوفَ أمامَه شامخاً ليقول له بعَنجَهيةٍ وصَلَفٍ: ها قد عدنا يا صلاحَ الدين.. لم ينسَ غورو أنّ صلاحَ الدينِ هزمَ أجدادَه في الحروب الصليبيبة.

وبالعودة ِ إلى أجواء “معركة ميسلون” وقبلَ الدخولِ في تفاصيلِها، علينا أن ندركَ الحالةَ العامةَ التي كانت تعيشها سوريا في تلكَ الأوقات.

فقبل سنةٍ من المعركة، في كانون الثاني ألفٍ و تسعمئةٍ وتسعةَ عشرَ 1919م دُعي إلى فرنسا ممثلونَ عن سبعةٍ و عشرين َ 27 دولةً شارَكت في الحربِ العالمية الأولى، وكان الدورُ الأكبرُ للدولِ الثلاثةِ الكبيرة: بريطانيا وأمريكا وفرنسا.

فرضت الدولُ المنتصرةُ شروطَها على الدولِ المهزومة، ومن التّبعاتِ التي لحِقَت هذا المؤتمرَ قيامُ عدةِ معاهداتٍ على هامِشِ هذا المؤتمر، من أشهرها [ معاهدة سيفر، وسان جرمان، ونويلي وتريانون]

فيديو لفرح الناس بعد توقيع المعاهدة في فرنسا

https://arabic.euronews.com/2لل019/06/28/versailles-a-hundred-years-of-the-treaty-that-ended-the-first-world-war?jwsource=cl

وبعد التوقيعِ بقِي على فرنسا أن تضعَ بصمتَها الأخيرةَ في تحديد الأماكن التي سوف تسيطرُ عليها خارجَ أوربا، وكانت البلادُ العربيةُ آنذاك تحتَ حُكمِ الدولةِ العثمانيةِ التي خرجت مهزومةً، والمهزومُ في الحرب يخسر كُلّ شيء.

بعد سنةٍ من “معاهدة الصلح” جرى مؤتمرٌ أخيرٌ في إيطاليا، هذا المؤتمرُ سيكونُ فيما بعدُ الشرارةَ التي انطلقتْ بسببها الثوراتُ العربيةُ ضدَّ الاستعمار الأوربي.. وستتضحُ المعالمُ النهائيةُ لما ستؤولُ إليه الحالُ في بلاد الشام وعُرف هذا المؤتمرُ باسم ” مؤتمر سان ريمو” فماذا كان هدفُ هذا المؤتمر؟ ولماذا عٌقدَ في هذه المدة بالضبط؟

سان ريمو.. والهزيمة المرّة

بعد فشلِ الحلفاءِ في تحقيقِ كل أهداف “مؤتمر الصلح” اتّجهت أنظارُهم نحوَ المشرقِ العربيّ لتحقيقِ أكبرِ فائدة، ولتطبيقِ ما تعلمته هذه الدولُ في إدارة البلاد المستعمَرة.

فمن جهة سعت بريطانيا وفرنسا لفرضِ شروطِهما بعد الحرب العالمية الأولى، ومن جهةٍ أخرى طالبَ العربُ بالاستقلال الذاتي، خصوصأً بعد الوعودِ التي وُعدوا بها قبلَ الحرب العالميةِ الأولى، فسارَعت بريطانيا وفرنسا لتطبيقِ سياسةِ “الضربةِ الاستباقية” خصوصاً بعد توتّرِ العلاقاتِ بينها وبين الملكِ فَيصل الذي أعلنَ استقلالَ سوريا اسمياً، ونادى نفسَه ملكاً عليها، فأرادت أن “تتغدى” به قبلَ أن “يتعشى بها” كما يقولُ المثلُ الشَّعبي.

انتهى المؤتمرُ، وأفرزَ عدداً من القراراتِ؛ أهمُّها: وضعُ سوريا ولبنانَ تحتَ الانتدابِ الفرنسي، ووضعُ العراقِ وشرقيِّ الأردن وفلسطين تحتَ الانتدابِ البريطاني، وتنازُلُ فرنسا عن الموصلِ وتقسيمُ النفطِ بين بريطانيا وفرنسا بحيثُ يكونُ لبريطانيا (خمسٌ وسبعون) 75 بالمئة، ولفرنسا (خمسٌ وعشرون) 25 بالمائة، وأن تسمحَ لبريطانيا بمدِّ أنابيبِ بترولٍ عبر الأراضي السورية

طبعاً لم ترضَ الشعوبُ العربيةُ عن هذه القرارات، وقامت عِدةُ ثورات في البلاد سواءَ في العراق أو في سوريا أو في فلسطين، وشعرَت فرنسا حينها أنّ الدبلوماسيةَ والأعرافَ السياسية لن تُجدي نفعاً كثيراً، فقرّرت التحولَ إلى النزال العسكري، وقهرِ كل من يقف في طريقها، وكانت البدايةُ من سوريا

الملك فيصل.. زعيمٌ بلا دولة

سارعَ الملكُ فيصل بعد مؤتمرِ الصُّلح إلى الإعلانِ عن نفسِه ملكاً على سوريا، خصوصاً بعدَما رأى تخاذُلَ بريطانيا عن نصرتِه.

مع أنّ مُلكَه لم يدُم سوى أربعةَ أشهرٍ إلّا أنّ كثيراً من معاصريه في ذلك الوقتِ يقولون إنّه لم يكن على قدْر المسؤولية التي حُمّلَها، ولم يتخذْ إجراءاتٍ سريعةٍ تلبّي رغبةَ الشعبِ الغاضبِ في حينها، هذا التباطؤُ في اتخاذ القرار، وسماعُه لنصيحة “ياسين الهاشمي” بحَلّ الجيش عرَفَ مغبَّتها لاحقاً حين خرج من سوريا، وقال: “إن فكرة حلّ الجيشِ هي أكبرُ خطيئةٍ ارتكبها خلالَ حكم سوريا.”

فرنسا تقرر.. ويوسف العظمة يتصدى

لم تُرِدْ فرنسا أن تُشعلَ الحربَ دون ذريعةٍ، فقرّرتْ إرسالَ إنذار، أو رسالةٍ مبطّنة للملكِ فَيصلَ لتنفيذِ عدد من الشروط شبهِ المستحيلة، وكانت قد أضمَرت مسبقاً – سواء ردّ بالإيجابِ أو النفيِّ- المسيرَ نحو دمشقَ واحتلالَها.. فما هو هذا الإنذار؟

إنذارُ غورو والشروطُ التعجيزية

نسخة الإنذار بالصورة المرفقة أدناه

في الرابع عشرة 14 من تموز الذي يصادف يومَ عيد النصرِ لدى الفرنسيين، أرسل الجنرال (غورو) إنذاراً إلى الملك فيصل، مرفقاً بكتاب حدّد فيه مطالبَ الفرنسيين في سوريا، وتتجلّى هذه المطالبُ في:

قَبولُ الحكومةِ السورية انتدابَ فرنسا على سوريا.

تسريحُ الجيشِ وإعادتُه إلى الحالة التي كان عليها قبلَ قيامِ المملكةِ السورية.

إعادةُ العمل بالعملة الصادرة عن البنك السوري اللبناني.

عدمُ معارضةِ الفرنسيينَ باستخدامِ خط حديد (رياق-حلب) وإنزالُ أشدِّ العقوبات بالمعارضين للوجود الفرنسي في سوريا.

وكانت مدةُ الإنذار أربعةَ أيام تنتهي في منتصف ليل الثامن عشر و التاسع عشر 18 – 19 تموز.

خلالَ هذه الأيامِ استشارَ الملكُ فيصلُ حاشيتَه ووزراءَه، وكان الخلافُ شديداً بينهم، حيث إن الملكَ كان يفضّل القَبولَ بالشروطِ التي وضعَها الجنرالُ غورو لتفادي الدخولِ في معركةٍ مع دولةٍ عُظمى مثلَ فرنسا، بينما كان وزيرُ الدفاع “يوسُف العظمة” يميلُ إلى المقاومةِ والصمودِ، ويؤكّدُ للملك أنّ قواتِه قادرةٌ على صدّ الهجومِ إذا ما قررت فرنسا ذلك.

وفي صباحِ اليوم التالي أرسلَ غورو إلى الملكِ فيصل يشكرُه على قَبوله الشروطَ ويطالبُه بتنفيذها فوراً، وأعطاه يوماً إضافياً لتحقيق هذا الشرط.

كان يبدو من هذا التسارعِ أنّ “غورو” كان يُبطنُ الهجومَ على سوريا حتى لو حقّقَ الملكُ فيصلُ كلَّ شروطِه، وهذا الذي لم يتنبّه له الملكُ.. ففي صباحِ اليوم التالي – وقبل انتهاءِ المدةِ الفعليةِ التي وضعَها غورو- بدأت قواتُ غورو بالزّحف نحو العاصمةِ دمشق (صوت تحرك دبابات وطائرات ) .

حينَ سمعَ يوسفُ العظمةُ بالخبر، لم ينفّذْ أوامرَ الملكِ بالانسحاب، بل أصرَّ على المقاومة، على الرّغم من أنّه يعرفُ عدمَ التكافؤِ بين الجيشين، إذ كانت جُلُّ قواتِه من المتطوعين، وليس لديهم أسلحةٌ قوية، بينما الجيشُ الفرنسي يملك ترسانةً عسكريةً ضخمةً قَوامها الطائراتُ والدباباتُ والمدافع.

استبسَلَت القواتُ السوريةُ في الدفاعِ عن أرضِها العربية، وحاولت بكلّ ما أُوتِيت من قوةٍ أن تصُدّ العدوانَ الغاشِم، إلا أنّ تفوّقَ الآليةِ العسكريةِ الفرنسية حالَ دون الصمود، إضافةً لخياناتٍ من بعضِ التابعينَ للحكومةِ الفرنسية؛ الذين كشفوا مواضعَ تمركُز الثّوار، وقدّموا المعلوماتِ لخُطَطِهم وتحرُّكاتهم.

وفي مقدمةِ الشهداءِ الذي ارتقَوا في هذه المعركةِ “يوسف العظمة” وزيرُ الدفاع، حيث ضربَ أروعَ الأمثلةِ على أن القائدَ الحقيقيَّ يكون دوماً في مقدّمة الصفوف، ويقدّمُ روحَه قرباناً للحريّةِ والنّضال.

خسر السوريونَ في معركةِ ميسلوَن جولةً ، لكنهم ربحوا كرامتَهم، وتعلّموا الدرسَ جيداً، إن المستعمرَ مهما طالَ بقاؤُه لا بدَّ من أن يزول، وإن المقاومةَ الشريفةَ مصيرُها دوماً الرفعةُ والعزّة، وهذا ما فعلَه السوريونَ طوالَ ثلاثينَ سنةً تالية، حتّى انتزعوا استقلالَهم من فمِ الأسد.



المصادر:
1 أحداث وتطورات معركة ميسلون:
2 خير الدين زركلي.. أخبار دمشق لحظة دخول الفرنسيين:
3 ما رأيت وما سمعت,, خير الدين زركلي ، الطبعة العربية ومكتباتها / مصر
4 مدخل في الحياة السياسية السورية: من تأسيس الكيان إلى الثورة [ شمس الدين الكيلاني ]
5 ميسلون.. نهاية عهد [ صبري العمري ]
6 معركة الشرف العسكري:
7 ميسلون.. العين التي قاومت المخرز :
8 خطط دمشق: محمد كرد علي [ الجزء الثالث ]
9 مقررات مؤتمر الصلح:
10 وثيقة الجنرال غورو

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء