تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

الجلاء الفرنسي عن سوريا

49:00
دقائق
تنوين
الجلاء الفرنسي عن سوريا

ستة و عشون عاماً.. عاش السوريون خلالها على صفيح ساخن، لم تكن أياماً عاديّةً، ومع مطلع شمس يوم جديد، كانوا يقتربون من الحلم. بالدم، والعزيمة، والنّضال.. وكثير من التضحيات والصَّبر .. نالوا ما أرادوا وحقَّقوا الحلمَ الذي كان يبدو مستحيلاً. الآن بلدهم أصبحت حرّة.. خالية من المستعمر الخارجيّ، والعلم الوحيد الذي يرفعون هاماتهم لتحيته هو علم بلادهم.. الملوّن بالأخضر والأسود والأحمر.. علمِ الاستقلال. خرجت سوريا من قبضة المحتلّ الفرنسيّ ونالت استقلالها الذي سعت له منذ ربع قرن.. فهل كان الثمن الذي دفعوه قليلاً؟؟


استقلالُ سوريا من الاحتلال الفرنسي

الجلاء الفرنسي عن سوريا

26 ستةٌ و عشرونَ عاماً.. عاش السوريونَ خلالَها على صفيحٍ ساخنٍ، لم تكن أياماً عاديّةً، ومع مطلعِ شمسِ يوم ٍ جديدٍ، كانوا يقتربونَ من الحلمِ.

بالدمِ، والعزيمةِ، والنِّضالِ.. وكثيرٍ من التضحياتِ والصَّبرِ .. نالوا ما أرادوا وحقَّقوا الحلمَ الذي كان يبدو مستحيلاً.

الآن بلدُهم أصبحتْ حرّةً.. خاليةً من المستعمرِ الخارجيّ، والعلمُ الوحيدُ الذي يرفعونَ هاماتِهم لتحيتِه هو علمُ بلادِهم.. الملوّن بالأخضرِ والأسودِ والأحمرِ.. علمِ الاستقلال.

خرجتْ سوريا من قبضةِ المحتلِّ الفرنسيِّ ونالتْ استقلالَها الذي سعتْ له منذ ربعِ قرنٍ.. فهل كانَ الثمنُ الذي دفعوه قليلاً؟؟

مقدمة البودكاست.. الترحيب من المقدّم والتعريف باسم البودكاست ورقم الحلقة ثم موسيقى

كل شعبٍ يعيشُ فوقَ أرضٍ مدةً طويلةً يشعرُ بالانتماءِ لها، يصبحُ هواءُ هذا البلدِ نسيماً عليلاً في أنفِه، وأصواتُ الباعةِ الجوالينَ لحناً عذباً في أذنيهِ،

(في الخلفية يمكن وضع أغنية موطني بصوت هادئ أقل من صوت المتحدث.. )https://youtu.be/mjAPsxx1N04

كلُّ شيء يغدو في البلدِ محبباً باستثناءِ أن يكونَ هذا البلدُ محتلاً.. الاحتلالُ بكلِّ أنواعِه بغيضٌ، لأنّه يسحبُ البهجةَ من عيونِ الأطفالِ، يمصُّ دمَّ النِّساءِ، ويدوسُ على أحلامِ الشباب.

بعضُ الشعوبِ تستكينُ لمحتلَّها، ترضى به خوفاً من المواجَهة، وهرباً من المجهولِ، فالمحتلُّ الذي تعرفُه أفضلُ من المجهولِ الذي لا تعرفه.. وهذا الذي لم يرضَ به أهلُ سوريا الشرفاء.

نحن الآنَ في مطلعِ عام ألفٍ و تسعمئةٍ و عشرين 1920.. وقد أُعلنَ “اسمياً” استقلالُ سوريا، وتشكلتْ أولَّ حكومةٍ سوريةٍ بعدَ انتهاءِ الحربِ العالمية الأولى، لكن هذا التشكيلَ رافقَه صورةٌ من صورِ الاحتلالِ الضِّمنيِّ والذي هو “الانتداب”..

الانتدابُ الفرنسيُّ الذي نصّبَ نفسَه حامياً لسوريا ولبنانَ ظاهرياً، لكنَّه في الواقعِ احتلالاً كلياً لبلدين عربيين..

ولذلك من غيرِ المستغربِ أنّ هذا إعلانُ الاستقلالِ مع وجودِ الانتدابِ الفرنسيِّ لم يقابَل بأي صورةٍ من صورِ الفرحِ المعتادِ حين يستقلُّ بلدٌ ما..

لقد علِمَ السوريونَ أنَّ الاستقلالَ الحقيقيَ يكون حين يخرجُ آخرُ جنديِّ محتلٍّ من أرضِ الوطن.. فكيفَ يفرحونَ بالاستقلالِ وهم يرونَ الجيش الفرنسيَّ يعيثُ فساداً في البلاد؟ وهم يرونَ السلطةَ الفعليةَ في البلادِ للحاكم الفرنسيِّ لا للحاكمِ السوريِّ؟ وهم يرونَ أنَّ سوريا بلدُهم قد مُزِّقتْ لطوائفَ وشِيَع؟ وكل منطقة منها تتبعُ لحاكمٍ مستقل؟

لمعرفةِ التفاصيلِ علينا أن نعودَ قليلاً إلى عام 1920ألفٍ و تسعمئةٍ وعشرين، خصوصاً بعد معركةِ ميسلون/ تلكَ المعركةُ التي كانتْ حداً فاصلاً بين الانتدابِ الرسمي، والاحتلالِ الفعلي للبلاد.

بعد أن دخلَ غورو دمشقَ، واستتبَّ له الوضعُ بعد معركةِ ميسلون، أرادَ أن يقومَ بأمرٍ لم يخطُر ببالِ السوريين أن يقعَ عليهم..

فحتى حين كانوا تحتَ حكمِ العثمانيين، لم يشعروا أنّ بلادَهم مقسَّمة بين أكثرَ من سلطةٍ، وبالرغمِ من أنّ الانقساماتِ العشائريةِ والطائفيةِ والقبليةِ والدينيةِ ساهمتْ في تفريقِ شرائحِ المجتمعِ بعضِها عن بعضٍ إلاّ أنّ العدوَ الخارجيَ حينَ يكون واضحاً أمامهم تتهاوى هذه الشروخ وتتحد البوصلة تجاه هدف واحد وهو التخلص منه.

ولتأديبِ السوريينَ على نضالِهم ضدَّ فرنسا قام غورو بتقسيمِ سوريا إلى خمسِ 5 دويلات، وجعلَ لكلِّ دويلةٍ منها علمُ وبرلمانُ وحكومةٌ وجوازُ سفرٍ خاص ( يمكن أن نذكر هذه الدويلات أو نتجاوز عنها إذا كانت غير مهمة، وهي حلب – دمشق- العلويين – الدروز- لبنان الكبير ).

ثارتْ ثائرةُ الشعبِّ السوريِّ رفضاً لهذا القرارِ )

) وكانتْ بدايةً لثوراتٍ شملتْ أرجاءَ سورية.

في البدايةِ.. كانت الثوراتُ ضدَّ المستعمرِ تميلُ إلى طابعِ حربِ الشوارع، ضرباتٌ خفيفةٌ وموجعةٌ ضدَّ الكيانِ المحتلِّ.. ورويداً بدأتْ تتَّسعُ دائرةُ الاحتجاجاتِ، ففي اللاذقيةِ هناكَ صالح العلي، وفي حلبَ إبراهيم هنانو، وفي الشامِ الخرّاط، وفي الجنوبِ سلطان باشا الأطرش، وفرنسا تسعى جهدَها لكبحِ التمدُّدِ، إمَّا باعتقالِ القادةِ، أو بالقمعِ، أو بالقصفِ الوحشي.

مما غاظَ فرنسا أنّها كانتْ تعتبرُ نفسَها قوةً عظمى، ومشاركتَها بالحربِ العالميةِ زادتْ من غرورِها، خصوصاً حين تغلّبتْ على ألمانيا واحتلتْ بعضَ المقاطعاتِ في القسم الأوربي، لذلك كانَ من الصعبِ عليها رؤية تلك المقاومةِ الشرسة.

كانت تتوقع من الشعبِ أن يستكينَ، وأن يستسلمَ لرغباتِها.. لكن الواقع كان له كلمة أخرى.

استمرتِ الثوراتُ، واحدةً تلو الأخرى مصمَّمةً على شيء واحدٍ: يجبَ أن يعرفَ المحتلُّ أنّه لن يستريحَ وهو مغتصبٌ لأرضٍ غريبةٍ طالما وجدَ شرفاء يذودونَ عن أرضِهم بكرامةٍ وهمّة.

وفي الثامن عشر 18 تشرين الأول ألفٍ و تسعمئةٍ وخمسةٍ و عشرين 1925 و أثناءَ اندلاعِ الثورةِ السوريةِ الكبرى شنّ الطيرانُ الفرنسيُّ حملةً هجوميةً على دمشقَ،

وقَصَفَ أماكنَ عدّةٍ أشهرَها منطقةَ سيدي عامود التي عُرفت فيما بعد باسم الحريقة، وكانت تلك المنطقةُ فيها العديد من المنشآتِ التاريخية والبيوت العتيقةِ التي دُمِّرتْ بفعلِ الحريقِ الناجمِ عن القصفِ الفرنسيَّ، حيثُ لم يبقَ من المنشآتِ سوى البيمارستانِ النُّوري.

وبقيَ الحالُ على ذلكَ بين شدًّ وجذبً بينَ الحكومةِ الفرنسيةِ والشَّعبِ حتى جاءَ عامُ ألفٍ و تسعمئةٍ وستةٍ و ثلاثين 1936 وفيه وقعَ الإضرابُ الستيني الشهير,

الذي نزلَ فيهِ آلافُ المتظاهرينَ استجابةً لدعوةِ الكتلةِ الوطنيَّةِ للتظاهرِ للمطالبةِ باستقلالِ سوريا، والذي أجبرَ فرنسا على التنازُلِ والتراجعِ عن موقِفها والتفاوضِ مع الثوارِ لينتهيَ الأمرُ بالاتفاقِ على الاستقلالِ بين فرنسا و بين هاشم الأتاسي رئيس الكتلةِ الوطنيَّة، إلَّا أنَّ فرنسا لم تلتزمْ بالاتفاقِ ولم يقرَّ البرلمانُ الفرنسي بالاستقلالِ السوري حتى عام ألفٍ و تسعمئةٍ و واحدٍ و أربعين 1941م. في هذه الأثناء كانت رحى الحربِ العالمية الثانية .

يدرج هنا تبادل إطلاق نار https://youtu.be/s4vpIiIS7tA?t=58

دائرةً في الطرفِ الآخرِ من العالم، وكانتْ موازينُ القوى تتغيّرُ لصالحُ دول الحلفاءِ على دولِ المحورِ، صعدتْ قوى جديدةً على الساحةِ كأمريكا وروسيا، وتهاوتْ قوى كبريطانيا وفرنسا، والحقيقةُ أنَّ الناظرَ لتبعاتِ الحربِ يُدرك تماماً ما كانتْ ستؤولُ إليه الأمورِ في المستعمراتِ التابعة لها.

فقواتُ فرنسا أنهكتْ تماماً، والإمبراطوريةُ العظمى لبريطانيا بدأتْ تتهاوى، فكانَ من الصعبِ على تلك الدول أن تشتِّتَ قوَّتها في أكثرَ من مكانٍ..

وهنا يبرزُ قولٌ وجيهٌ لبعض المؤرخينَ في الأسبابِ غيرِ المباشرةِ لحصول سوريا على استقلالها من الانتداب الفرنسي وهي:

1- خروجُ فرنسا منهكةً من الحرب العالمية الثانية.

2- تراجعُ قوةِ بريطانيا.

3- تصدُّرُ أمريكا وروسيا لواجهةِ الأحداثِ العالميةِ، وتغيّرُ الخارطةِ الدوليةِ، سواءَ فيما بينِها أو في المستعمراتِ التابعةِ لها.

ويمكنُ أن يضافَ لها السعيُ الحثيثُ للحكومةِ السوريةِ في نزْعِ استقلالِها من فرنسا تزامُناً مع ضرباتِ الثوارِ واحتجاجاتهم.

في ذلك الوقتِ، كان شكلُ العالمِ الذي نعرفُه يتغيّر كلياً، لم تعدِ القوى العسكريةُ التقليديةُ قادرةً على مدِّ نفوذِها الاستعماريِّ في أماكنَ عديدة، بعضُ الدولِ قررتِ الانكفاءَ على مشاكِلها الداخليةِ، وتركَ سياسةِ التَّوسعِ.

نظريةُ أثرِ الفراشة تحقَّقت هنا.. فالحربُ العالميةُ الثانيةُ لم يكنْ أثرُها فقطْ على الدولِ التي شاركتْ فيها بشكلٍ مباشرٍ، بل تعدَّى ذلك إلى كل البلادِ في العالم، إن لم يكنْ على المستوى العسكريِّ والسياسيِّ، أو الخرابِ الماديِّ، فمن الناحيةِ الاقتصاديةِ أو الاجتماعية..

عرفَ الناسُ في سوريا أنَّ موازينَ القوى تغيّرتْ، وقواعدَ اللعبةِ أيضاً، فكانتْ تلكَ فرصتُهم الذهبيةُ للاستمرارِ في المقاومةِ وطلبِ الحقوقِ المستَلبة.

وهنا نقطةٌ مهمةٌ يجبُ الإشارة إليها.. وهي أنَّ فكرةَ “الوعيِ السياسيِّ” لم تكنْ متبلورةً بشكلٍ كبيرٍ في تلك الفترةِ، نعمْ كان هناكَ وطنيونَ شرفاءَ يسعون للخلاصِ من المستعمِرِ، لكنَّهم لم يكونوا مدركينَ بعدُ حجمَ المصالحِ السياسيةِ بينَ البلدانِ، وأنَّ بعضَ الدولِ قد تضحِّي بالقليِل من أجلِ نيلِ الكثيرِ، أو على الأقلِّ لتُبقي سقفَ خسائِرها معقولة..

نعودُ الآنَ إلى التطوراتِ الإقليميةِ التي جرتْ بين الدولِ الكبيرة ( فرنسا وبريطانيا ).

دخلتْ بريطانيا على خطِّ التعاونِ مع فرنسا، وحاولت عبرَ مندوبِها السَّامي السَّعي لتحويلِ السلطاتِ من يدِ فرنسا إلى يدِ الحكومةِ السوريّة، وما كان هذا الأمرُ حباً بالسُّوريين، لكن ترجيحَاً لمصلحةِ البلدين، خصوصاً بعد الضرباتِ التي مُنيتْ بها مستعمراتُها إبانَ الحربِ العالميةِ الثانية.

وهنا نقطةٌ يجبُ الإشارةُ إليها، أنَّ حكومةَ فيشي ( التابعة لألمانيا الهتلرية

غيّرتْ معالمَ اللعبةِ العسكريةِ في سوريا بوقوفِها ضدَّ القواتِ النظاميةِ الفرنسيةِ.. يعني أصبحَ هناكَ صراعٌ فرنسيٌ فرنسيٌ..

ولنفهمَ أكثرَ عن حقيقةِ الصراعِ الخفيِّ بينَها وبينَ حكومةِ شارلْ ديغول نترك الحديثَ لـ هنري دو ويللي، الذي يعملُ أستاذاً عسكرياً في المدرسةِ العسكريةِ الشهيرةِ في فرنسا ( سان سير ) والذيْ ألفَ كتاباً شهيراً بعنوانِ ( سوريا عام ألفٍ و تسعمئةٍ و واحدٍ و أربعين 1941 الحربِ المخفيّة. أنصار فيشي ضد أنصار ديغول).

يقول فيه:

في شهر يونيو 1940عام ألفٍ و تسعمئةٍ و أربعين تلقَّى جميُع ممثليْ فرنسا في مختلفِ الأصقاعِ التي كانتْ تتواجدُ فيها قواتٌ فرنسيةٌ نداءً شخصيا من الجنرالِ شارل ديغول يدعوهم فيه إلى المقاومةِ.

نضعُ هنا تسجيل صوتي لشارل ديغول عام 1941 : https://youtu.be/SBXaBiVLDr0

بعدَ أن كانَ قدْ أطلقَ اليوم الثامن عشرَ 18 من ذلكَ الشهرَ نداءه الشهيرَ من إذاعة لندنَ للشروعِ بمقاومةِ النازيينَ المحتلين.

بالمقابلِ كانَ على حكومةِ فيشي التي تعاونتْ مع أولئكَ المحتلينَ أنْ تقومَ بحمايةِ «أراضيها» أينما كانتْ ضدَّ أيِ اعتداءٍ خارجيٍ، تنفيذا لبنودِ الهدنة. كان ذلكَ المنظورُ يعني أنَّ الحربَ الألمانية ـالفرنسية تعني عملياً صدامات فرنسية ـ فرنسية بين مؤيديْ الجنرالِ ديغولْ ومؤيديْ حكومةِ فيشي.

لم يترددْ الجنرالُ ديغول في اتهامِ فيشي بالخيانة. ومن جهتِها أصدرتْ حكومةُ فيشي على الجنرالِ حكماً بالسجنِ لمدة ِ أربعِ سنوات. واتهمتْه أيضا بالمقابلِ «بالخيانةِ وبتهديدِ أمنِ الدولةِ والهربِ إلى الخارجِ وبالتحريضِ على العصيانِ وعدمِ الطاعةِ، وبالتالي جرى رفعُ الحكمِ عليه إلى عقوبةِ الإعدام».

لقد بدا الجنرالُ آنذاكَ وكأنه «يشنُّ الحربَ على فيشي أكثرَ مما يشنّها على برلين»،

بكلِّ الحالاتِ كان الجنرال واضحاً تماما عندما قال: «الفرنسيونَ الأحرار ُ يشكلونَ من الآنِ فصاعدا المرجعيةَ الوحيدةَ للوطنِ. فرنسا هي نحن» ثم أضاف «فرنسا هي أنا»، وهناك أمرٌ واضح آخر هو أن الجنرال كان «يحذر من الانجليز ».

بدا أنَّ هناكَ خلافاتٍ ترتسمُ في الأفقِ بين الانجليز وممثلي فرنسا الحرة في المشرقِ، وأن انجلترا «تتابعُ السعي لتحقيقَ هيمنتَها على مناطقِ الانتدابِ الفرنسي».

هكذا كتبَ الجنرالُ الفرنسيُّ «كاترو» في شهرِ ديسمبر عامَ ألفٍ و تسعمئةٍ و أربعين 1940 للجنرال ديغول يقول: «سوريا هي ثمرةٌ مرّةُ المذاقِ ولا تريدُ أن تنضجَ، وأخشى أن لا نستطيعَ الحصولَ عليها سوى بالقوة».لل

وفي أعقابِ الحربِ العالمية الثانية حدثَ ما عُرِفَ باسم” انتفاضةِ الاستقلال” إذ تصاعدتِ الاحتجاجاتُ بينَ الشعبِ السوريَّ وفرنسا، واستمرَّ قصفُ دمشقَ ثلاثةَ أيّامٍ متواصلةٍ .

وبلغتْ الأحداثُ ذروتَها في عام 1945 ألفٍ و تسعمئةٍ و خمسةٍ و أربعين عندما قصفتْ الحاميةَ الفرنسية مبنى البرلمان، فقتلتْ حراسَه وامتدتْ الاشتباكات بينَ القواتِ الفرنسيةِ والمواطنينَ إلى شوارعِ دمشقَ، فسقطَ مئاتُ القتلى والجرحى من جراءِ القصفِ المدفعيِّ على المدينةِ، ولدى انتشارِ الثورةِ في جميعِ أرجاءِ القطرِ السوري، وسقوطِ عددٍ كبيرٍ من القتلى؛ بادرْت الحكومةُ البريطانيةُ بإصدارِ إنذارٍ إلى الجيشِ الفرنسيِّ بوقفِ إطلاقِ النارِ والعملِ على سحبِ قواتِه من المدنِ السورية.

ولم تجدِ السلطةُ الفرنسيةُ بُداً من الاستجابةِ للضعوطِ البريطانية.. فبدأتْ الانسحابَ التدريجيَّ.

وبحلولِ شهرِ أغسطسْ ألفٍ و تسعمئةٍ و ستةٍ و أربعين 1946 كان جميعُ القواتِ البريطانيةِ والفرنسيةِ قد انسحبتْ من المنطقةِ.. ( نضع صوت في الخلفية لدبدبات تمشي )

كان ظاهراً للعيانِ أنَّ السطوةَ الفرنسيةَ في أفولٍ، وأنّ سوريا تعيشُ آخرَ أيامِها مع الاحتلالِ، فرغمَ هالةِ الخوفِ التي تخيّمُ على السوريين آنذاك، كان الشعبُ يتنسَّمُ روائحَ الحريّةَ، لأنَّه على موعدٍ لا يتخلفُ عن نيلِ حريتِه واستقلالِه.

ومع حلولِ نيسانَ ألفٍ و تسعمئةٍ وستةٍ و أربعين 1946 كانت آخرَ جحافلَ المحتلِّ تسحبُ ذيولَها من البلادِ ( نضعُ أصواتَ مشيِ جنودٍ أو أصواتِ سيارات ) معلنةً تسليمَ السلطاتِ للحكومةِ السوريةِ، وتمَّ الجلاءُ عن أرضِ سوريا بعد احتلالٍ دام ستةٍ و عشرينَ 26 عاماً، خاضَ فيه السوريينَ أروعَ البطولاتِ، وسجلوا بمدادٍ من نورٍ تضحياتٍ ستكتبُ في صفحاتِ التاريخِ معلنةً فتح صفحةٍ جديدةٍ في تاريخِ سوريا عنوانها: “لن يضيعَ حقّ وراءه مطالب”.

الخاتمة:

لقد كانتْ سنواتُ الانتدابِ الفرنسيِ حاسمةً في تاريخِ سوريا الحديثِ، ففي هذه الفترةِ وَضعتْ أسسَ نظامِها الجمهوريِّ الجديد، ورسمتْ حدودَه، ونشأتْ مؤسساتُ الحكمِ، وتمَّ انتخابُ أولَ رئيسٍ للجمهوريةِ عام ألفٍ و تسعمئةٍ و اثنين وثلاثين 1932، وأُقِرَ أولُ دستورٍ للبلادِ.

وقد هيمنَ على ترتيباتِ تأسيسِ الكيانِ الجمهوريِّ أطماعٌ استعماريةٌ تمثَّلتْ في صراعٍ بريطانٍي فرنسٍي وصراعٍ آخرَ بينَ القوى الوطنيةِ وسلطةِ الانتدابِ.. التي كانتْ ترغبُ في قيامِ الجمهوريةِ السوريةِ وفقَ صيغةٍ تحققُ لها أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من الهيمنةِ والنفوذِ.

وقد أدَّتْ هذه العواملُ مجتمعةً إلى ظهورِ كيانٍ لم يكنْ يملكُ الحدَّ الأدنى من مقوماتِ الاستقرارِ، وكان لذلك آثار سلبيةٍ ظهرتْ نتائجُها في مرحلةِ ما بعدَ الاستقلالِ..

كانت مظاهرُ الاحتفالِ العارمةِ بالجلاءِ تشوبُها الكثيرُ من العواطفِ الجياشةِ ابتهاجاً بانتهاءِ حقبةِ الانتدابِ الفرنسي ( نضع صوت زغاريد نساء أو صياح وصخب للدلالة على الفرح ) وبدءِ مرحلةٍ جديدة استكملت فيها سوريا جميع شروطه سيادتها واستقلاله



المصادر:
1 كيف حصلت سوريا على استقلالها من الاستعمار
2 سوريا والاستقلال المفقود

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء