تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

40:00
دقائق
تنوين
أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

كأحجارِ الدمينو.. يتساقط الحدث الأول، فيتبعه سلسلة من الأحداث تفضي إلى كوارث لاحقة.. لم نعرف في ذلك الوقت أنّ الحدث الصغير.. سيكون له كلَّ هذا الأثر!

قالوا عنه أنّه “أيلول الأسود” وبقيت هذه الصفة ملازمة له حتَّى وقتنا الحالي..

كيف بدأت الفكرة؟ وإلى أين وصلت؟ وهل يمكن لأصدقاء البارحة أن يصبحوا أعداء اليوم؟

ومن كانوا في خندقٍ واحدٍ أن يحملوا السلاحَ بوجه بعض؟

ويبدو أنَّه في معاركِ المصالحِ كلُّ الاحتمالات واردة، وكلُّ الأشياءِ غير المعقولة تغدو ممكنةً.

فمن أين بدأت قصة أيلول الأسود بين القوات الفلسطينية والأردن؟

كل هذا وأكثر نقصّه عليكم في حلقتنا الأخيرة من بودكاست أصداء


صوت الملك حسين متحدثاً عن أحداث أيلول ( عشر ثواني فقط https://youtu.b e/sEnHHNVv1aM?t=117

كأحجارِ الدمينو.. يتساقطُ الحدَثُ الأولُ، فيتْبعُه سلسلةٌ من الأحداثِ تفضي إلى كوارثَ لاحقةٍ.. لم نعرفْ في ذلك الوقتِ أنّ الحدَثَ الصغيرَ.. سيكونُ له كلَّ هذا الأثر!

قالوا عنه أنّه “أيلولُ الأسود” وبقيتْ هذه الصفةُ ملازمةً له حتَّى وقتِنا الحالي..

كيف بدأت الفكرة؟ وإلى أينَ وصلتْ؟ وهل يمكنُ لأصدقاءِ البارحةِ أن يصبحوا أعداءَ اليوم؟

ومن كانوا في خندقٍ واحدٍ أن يحملوا السلاحَ بوجه بعض؟

ويبدو أنَّه في معاركِ المصالحِ كلُّ الاحتمالاتِ واردةٌ، وكلُّ الأشياءِ غيرُ المعقولةِ تغدو ممكنةً.

فمن أين بدأتْ قصةُ أيلولَ الأسود بين القواتِ الفلسطينية والأردن؟

أُنشِئتْ منظمةُ التحرير الفلسطينية عام ألفٍ و تسعمئةٍ وأربعة و ستين 1964 عقِبَ قرارٍ صدرَ من القمَّة العربيةِ الأولى التي عُقِدتْ بالقاهرة.

قبلها كانت فلسطيُن تُمثَّل في الجامعة تمثيلا شكليا منذ تأسيسها عام ألفٍ و تسعمئةٍ و خمسةٍ و أربعين 1945 وتزايدَ هذا التمثيلُ وعظُم الاهتمامُ به بعد حرب عام ألفٍ و تسعمئةٍ وثمانيةٍ و أربعين 1948 وما تَبِعها من إقامةِ الدولة ِالإسرائيلية

في الخلفية نضع حديث عن تأسيسها ( https://youtu.be/42vu680GyA4?t=39

.

تميزتِ العلاقُة بين المنظمةِ والعديدِ من الدولِ العربيةِ بفتراتٍ من الشدِّ والجذبِ بحسبِ انسجامِ المواقفِ السياسيةِ لهذه الدول أو اختلافها مع توجُّهات المنظمة.

وكانت المملكة الأردنيةُ الهاشميةُ مثالا بارزاً على ذلك، فأغلبُ سنواتِ حُكمِ الملكِ حسين شهدتِ العلاقةُ بينهما تأزُّما وصَلَ في بعضِ الفتراتِ إلى حدِّ الانفجار.

نضع صوت موسيقى تدل على تصاعد الأحداث ( هذه مناسبة جداً https://yoقutu.be/WQyydrY39JM

فالقواتُ التابُعة للمنظمةِ كانتْ تَعتبرُ السلطةَ الأردنيةَ عائقاً أمامَ مقاومتِها للوجودِ الإسرائيلي، في حين كانت تَعْتبرُ المملكةُ هذه القواتِ دولةً داخلَ الدولةِ واتهمتْها بالسَّعيِ لقلبِ نظامِ الحُكم.

في تلك الحقبةِ كانتْ المحاصصاتُ النضاليةُ واضحةَ المعالم، فمثلاً كان الأردنُ يسعى ويدعمُ قضيةَ تحريرِ فلسطينَ من الكيانِ الصهيونيِّ لكنْ ليس بالطريقةِ الفدائيةِ التي أرادَها الفدائيونَ الفلسطينيون.

وفي نفسِ الوقتِ كان لهيئةِ التحريرِ جناحاً سياسياً مؤيداً لها في العراق وسوريا، ومن ورائهم كانَ الاتحادُ السوفياتيُ داعماً قوياً لهم ( ليس حُباً بهم بالضرورةِ ولكن عناداً في وجه عدوها الرمزي الولايات المتحدة ).

والمتتبِعُ للأحداثِ حينها يدركُ أنَّ الوضعَ محتقنٌ بين الطرفين ( الأردن والقوات الفلسطينية ) ويوشكُ على الانفجارِ.

والحقُّ أنه إثر حربِ سبعةٍ وستينَ 67 بين العربِ والكيانِ الصهيوني ( نضع هنا صوت قصف طيران وحروب

https://soundcloud.com/ali-h -mur/vglmjdeav2wn

تغيرتِ المعطياتُ في الخارطةِ السياسيةِ للمنطقةِ، وفي علاقةِ العربِ بالمقاومةِ الفلسطينية.

على أنَّ المملكةَ الأردنيةَ الهاشميةَ كانتْ أكثرَ دولِ المنطقةِ التصاقاً بالقضيةِ الفلسطينية، ويكفيْ أنَّ أكثرَ من مائتي ألفِ لاجئٍ فلسطينيٍ قد التحقوا بالمخيماتِ في الأردن إثرَ الحرب، وأضحى أمرُ إدماجِهم صعباً، مما نمَّى لديهم شعوراً بالمرارةِ والغبنِ وأمستِ المقاومةُ رمزاً جسوراً في مواجهةِ الكيانِ الصهيونيِ.

المتتبعُ لخيوطِ المشهدِ سيجدُها معقدةً قليلاً ولنفهمَ هذه الخيوط ربَّما علينا العودةُ إلى الوراءِ قليلاً لتتضحَ الصورة، على الأقل لفهمِ أسبابِ الوصولِ إلى هذا الاحتقان.

مفتاح الفهْمِ لما جرى لاحقاً في عام 1970 ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين يتركَّزُ على نقطتينِ جوهريتين:

النقطةُ الأولى وهي فهمُ طبيعةِ العداءِ بين الفلسطيين والكيان الصهيوني، خصوصاً بعد النكبة التي كانت البدايةَ الحقيقيةَ للتغريبةِ الفلسطينية، يمكن وضع موسيقى تصويرية الخاصة بمسلسل التغريبة: https://soundcloud.com/givara-alaryan/track

والنكسةِ التي كانتْ الضربةَ الموجعةَ لجميعِ العربِ.

حيث رأتِ المنظماتُ الفلسطينيةُ أنَّ الكفاحَ المسلحَ هو الطريقُ الوحيدُ لاسترجاعِ الحقوقِ المستلبةِ.

النقطةُ الثانيةُ وهي طبيعةُ العلاقاتِ بين الدول العربيةِ والكيان الصهيوني، أو ما يمكنُ التعبيرُ عنه بالموقع الجيوسياسيِّ لهذه البلدانِ، فالبُعد والقٌرب من فلسطينَ الأم، كوطنٍ، ومن الكيانِ الصهيوني كمحتلٍ جعلَ الحساباتِ السياسةِ ونظرياتِ المقاومةِ تختلف.

في ظلَّ هذه التوتراتِ قد يخطرُ للذهنِ أسئلةٌ تبدو في البدايةِ مريبةً لكن بعضُها يحمِل وجاهةً على الأقلِّ، وجاهةَ البحثِ عن جوابٍ مقنعٍ.

هل كانت أحداثُ أيلولَ الأسودَ مدبرةٌ؟ وهل كان النظامُ الأردنيُّ يحضِّر لها ويدفُع باتجاهِ العنفِ كي يضربَ قوةَ المنظماتِ الفلسطينيةِ المقاومة؟

هل كانتِ القيادةُ الفلسطينيةُ ممثلةً بياسرَ عرفات و صلاحْ خلف على علمٍ بالمجازفةِ التي سيخوضُونها؟ وعن التبعاتِ المترتبةِ على هذه المغامرةِ؟

بعد هزيمةِ السابعِ و الستين 67 وما تبعَها من رداتِ فعلٍ على المستوى العربي، أرادتِ القيادةُ الفلسطينيةُ تحقيقُ انتصارٍ سريعٍ يعيدُ لها ماءَ وجهِها أمامَ العدوِّ الإسرائيليِّ فكانت “معركةُ الكرامة”.

فماذا حصلَ فيها؟

في 21 الحادي و العشرين مارس/ آذار عام ألفٍ و تسعمئةٍ وثمانيةٍ و ستينَ 1968 تمكنتِ المنظماتُ الفلسطينيةُ والجيشُ الأردنيُّ من صدِّ هجومِ إسرائيليٍّ واسعِ، نضعُ هنا مقاطعَ اشتباكاتٍ لمدةِ 15 ثانية فقط .

https://youtu.be/dyf5EQGfw0o?t=7

محققينَ بذلك انتصاراً معنوياً كبيراً أتى مباشرةً بعد نكسةِ يونيو/ حزيران 1967 عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعةٍ و ستين وهزيمةِ جيوشِ ثلاثِ دولٍ عربية

ويشيرُ المؤرخ مصطفى كبها إلى أن “الكرامة” شكَّلت إنجازاً للمنظماتِ الفلسطينية”.

الكرامةُ كانتْ أولَ إنجازٍ عسكريٍ عربيٍ أمامَ إسرائيل منذ النكبةِ، .

ومن الواضحِ أنّ معركة “الكرامة” أنعشتِ الأملَ لدى الشعوبِ العربيةِ بعد النكسةِ وأعادت إليهم الروحَ، لكنها أشعلتْ ضوءا أحمرَ لدى بعضِ الأنظمةِ العربيةِ التي خشيتْ على استقرارِ حُكمها واعتبرهَا مقدماتٍ لأحداثِ أيلولَ الأسود عام 1970 ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين .”.

فأصدقاءُ اليوم ( الفصائل الفلسطينية والقوات الأردنية ) سيصبحونَ أعداءَ الغد، وبعد أقل من ثلاث ِ 3 سنوات ستندلعُ صداماتٍ مسلحةٍ بين الطرفين سيكونُ لها صدى كبيراً في التاريخِ العربي.

إذا يمكنُ اعتبارَ معركةِ الكرامة الشرارةَ التي أوضحتْ أن هناكَ شرخاً كبيراً بين الفصائلِ الفلسطينيةِ المقيمةِ في الأردن، وبين الجيشِ الأردني والنظام الأردني.

بعد هذه المعركةِ وفي عام 1969 ألفٍ و تسعمئةٍ وتسعةٍ و ستين ، أي قبلَ وقوعِ أيلولَ الأسودَ بسنةٍ واحدةٍ، جرتْ حادثةٌ غريبةٌ من نوعِها جعلتِ الأضواءَ كلَّها تتجه لفلسطينَ والمقاومةِ بشكلٍ عام.

نضع هنا أصوات حماسية ( https://youtu.be/0TqmlAWfmwU?t=7

ولأولِ مرّةٍ؛ تقومُ فتاةٌ فلسطينية ( ليلى خالد ) بمعاونةِ عددٍ من الكومندوس الفلسطيني باختطافِ طائرةِ ركابٍ أمريكيةٍ متجهةٍ من لوس أنجلوس إلى تلِّ أبيب في “إسرائيل” مروراً بروما.

نضع صوت ليلى خالد وهي تتحدث عن عملية الخطف ( 6 ثواني فقط ) https://youtu.be/0TqmlAWfmwU?t=7

صعدتْ ليلى والعيساوي في درجةِ رجالِ الأعمالِ على الطائرةِ ليكونا قريبينِ من قمرةِ القيادةِ

، وبعد ثلاثينَ دقيقةٍ من الطيرانِ اقتحما القُمرة مستغلينَ فتحَ إحدى المضيفات لبابِها، وأشهرا أسلحتهما في وجهِ طاقَم القيادةِ (ثلاثة أميركيين) طالبيْن منه تنفيذ الأوامر

نضع هنا صوت تهديد ( https://youtu.be/LXcU4WiLowE?t=24 (

.

كانتِ الطائرةُ حينَها تحلقُ فوقَ المتوسطِ قرب اليونان، فاستلمتْ ليلى سماعةَ ربانِ الطائرةِ وخاطبتْ برجَ المراقبة قائلة: “هنا رحلة الجبهةِ الشعبيةِ.. فلسطينُ حرةٌ عربية”،

وأمرتِ القائدَ بالتوجُه إلى فلسطين، في حينِ كان العيساوي يسهرُ على تأمينِ القمرة بحُكم مهارته القتاليةِ وقوتِه البدنية.

حاول ربانُ الطائرةِ المناورةَ فوجَّه البوصلةَ نحو قاعدةٍ عسكريةٍ أميركيةٍ في ليبيا، لكنَّ ليلى انتبهتْ لذلكَ بفضلِ التكوينِ الذي خضعتْ له في مجالِ الطيران، فهددتِ القائدَ الذي لم يجدْ بداً من التوجُّه إلى فلسطين.

عند دخولِ المجالِ الجويِّ الإسرائيلي، تحركتْ مقاتلاتٌ إسرائيليةٌ وأحاطتْ بالطائرةِ وكانت ليلى تخاطبُهم: “الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية”، وكان ذلك يثيرُ سخطَ المراقبينَ الجويين الإسرائيليين، فكانوا يسبونَها فترد هي عليهم وتقول: “رغم أنوفِكم ستكررونها.

نضع هنا صوت هبوط طائرة ( https://youtu.be/El2mpazm0wo

وبعد ذلك قرروا التوجُّه نحو دمشقَ، وفعلاً هبطوا في سوريا وبعدَ أن أُنزلَ الركاب منها تم تفجيُرها، واعتقلت ليلى ورفاقها للتحقيق معهم ثم بعد ذلك أفرج عنهم.

إثر هذا سافرتْ ليلى إلى ألمانيا للعلاج، وبعد سنة قامتْ باختطاف طائرة ثانية، وأُلقي القبض عليها في لندن وسجنت.

تصاعدتْ وتيرةُ الأحداثِ إثرَ اختطافِ مسلحينَ فلسطينيينَ أربعَ طائراتٍ أوروبية واصطحابها إلى قاعدةٍ جويةٍ في الأردن، مطالبينَ بالإفراجِ عن ليلى خالد الناشطةِ الفلسطينيةِ التي كانتْ معتقلةً في لندن حينذاك لقيامِها بمحاولةٍ لاختطافِ طائرةٍ إسرائيلية

وإثرَ عدمِ استجابةِ الحكومةِ البريطانيةِ مطالبَهم، فجَّر الفلسطينيون (الفدائيون) الطائراتِ الثلاثِ بعدما أفرجوا عن جميعِ ركابِها تقريباً عقِبَ مفاوضاتٍ سريةٍ ناجحةٍ مع الحكومةِ البريطانيةِ وحكوماتٍ أخرى.

أما تسلسل الأحداث فكان كالتالي:

نضع هنا صوت للدلالة على تصاعد الاحداث ( https://youtu.be/H-dBgJoRqdA

قامتِ الجبهةُ الشعبيةُ باختطافِ خمسِ طائراتٍ من الأردن: واحدةٌ فشلت، والثانيةُ فُجرت في القاهرة، وثلاثٌ حطَّت في مطار «داوسن» وجرى تفجيرُها

.

أعاد الملكُ حسين الفريق «زيد بن شاكر» إلى قيادة سلاحِ المدرعات في السادسَ من 6 أغسطس/آب عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعينَ 1970م، وكان ذلك نذيرًا بالخطرِ المقبلِ

.

تعرضَ موكبُ الملك حسين لإطلاقِ نارٍ قربَ مطار عمان في 1 الأول من سبتمبر/أيلول عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين 1970م

.

. في السادس من 6 سبتمبر/أيلول 1970 ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين أعلنَ الملك حسين تأليفَ حكومةٍ عسكريةٍ برئاسةِ اللواء «محمد داود»، وتعيينَ حابس المجالي قائدًا أعلى للقواتِ المسلحة، وزيد بن شاكر نائبًا لرئيس الأركان.

أعلنت الحكومة العسكرية الجديدة الأحكام العرفية في كافة أرجاءِ الأردن كله.

في 17 السابعِ عشرِ سبتمبر/أيلول 1970 عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين ، اقتحم اللواء ستين 60 المدرع مدينة عمان، وشرع في قصفِ مخيميْ الوحداتْ والحسين. ( نضع أصوات قصف )

وهكذا بدأتْ معركةً طاحنةً استمرت اثني عشر يومًا، وانتهتْ بالاتفاق على خروج منظمات المقاومة من العاصمة عمان وضواحيها.

وقد سقط في هذه المعركة نحو 3440 ثلاثة آلافٍ و أربعمئةٍ و أربعين قتيلاً بينهم نحو ألفَ 1000 فدائي، فضلاً عن نحو ثمانية ألف جريح 18 ألف جريح.

وبينما كانتِ الاستخباراتُ العسكر يةُ الأردنيةُ تعتقلُ الفدائيينَ وقادتَهم أمثاَل صلاح خلف (أبو إياد) وبهجتْ أبو غربية وإبراهيم بكر وفاروق القدومي (أبو اللطف)، وتسعى للعثورِ على ياسر عرفات، إذا به يظهر في القاهرة إلى جانب الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان دُعيَ في الثاني و العشرين 22 سبتمبر/أيلول 1970 عام ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين إلى قمةٍ عربيةٍ استثنائية لبحثِ الأوضاع في الأردن.

وفي القاهرةِ قامَ الملكُ السعوديُ فيصل بن عبد العزيز والرئيس جمال عبد الناصر بوساطةٍ أدتْ إلى عقدِ اجتماعٍ بين ياسر عرفات والملك حسين لمعالجةِ ذيول ِالمعركة التي صار اسمُها منذ ذلك الوقت «أيلول الأسود».

نضع هنا صوت ياسر عرفات ( https://youtu.be/dP3AJg28YDk?t=19

ومع أنَّ ياسر عرفات اتفقَ والملك حسين على بقاءِ بعضِ مكاتبِ منظمةِ التحرير الفلسطينية في عمان، والإبقاءِ على بعضِ القواعدِ العسكريةِ في شمال الأردن، إلا أنَّ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر أتاحتْ للملكِ حسين أن يطبقَ الاتفاقَ كما أراد، فأُخليتْ عمان من أي وجودٍ فدائيٍ، وبدأتْ حملةُ اعتقالاتٍ طاولتْ كلَّ من كانت له علاقةٌ بالمنظماتِ الفدائية.

رفضتِ المنظمةُ في عامِ ألفٍ و تسعمئةٍ واثنينِ و سبعين 1972 مشروعَ المملكةِ العربيةِ المتحدةِ الذي دعا إليه الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال والخاصُّ بربطِ الضفةِ الغربيةِ بالأردن في مملكةٍ واحدةٍ يمثلُ الضفةَ فيها مجلسٍ نيابيٍ على أن يكونَ الإشرافُ على شؤونِ الدفاعِ والخارجية للأردن

يخطرُ ببالِنا سؤال هنا.. لماذا كانَ النظامُ الأردنيُّ هو المسؤولُ عن أحداثِ أيلول الأسود؟

في العددِ الأولِّ من مجلةِ «شئون فلسطينية»، والصادر في مارس/أذار عام 1971ألفٍ و تسعمئةٍ و واحدٍو سبعين ، كان هناكَ مقالٌ بعنوان «أحداث أيلول ومسؤولية النظام الأردني

».

وتحدثَ هذا المقالُ بوضوحٍ عن أنَّ النظامَ الأردنيَ كان يخطِّطُ لتصفيةِ المقاومةِ حتى قبل مبادرةِ روجرز، فلم يكنْ ردُّ فعل المقاومةِ على هذه المبادرة هو نقطةُ انطلاقِ النظام للصِّدام.

ويدَّعي المقالُ أنَّ مخططَ النظامِ الأردنيِّ لتصفيةِ المقاومةِ مرَّ بثلاثِ مراحل، كان آخرُها حملة أيلول.

في المرحلة الأولى، وبالتحديد في منتصف عام ألفٍ و تسعمئةٍ و تسعةٍ و ستين 1969، بدأتِ السلطاتُ الأردنيةُ في تشكيلِ «قوات الأمن الخاصة»، ووضعتْ تحتَ تصرُّفها إمكانياتٍ ماليةٍ وعسكريةٍ كبيرةٍ، وأوكلتْ إليها مهمَّةُ خلقِ الأجواءِ السياسيةِ والنفسيةِ والعسكريةِ التي تمُكِّنُ من ضربِ حركةِ المقاومة الفلسطينية.

وهو ما تمَّ كشفُه بعد إلقاءِ القبضِ على أحدِ عناصرِ هذه القواتِ وتسجيلِ اعترافاتِه، وقد ذكرَ فيها أن مهمةَ هذه القواتِ كانتْ تصفيةَ المقاومة؛ تحتَ حُجةِ أنَّ التنظيماتِ الفدائية هي الذراعُ المسلحُ للأفكارِ اليسارية، وأنَّها تهدفُ إلى القضاءِ على النظامِ. وقد تضمَّنت هذه الخطُة كافةَ فصائلِ المقاومةِ، دون تمييزٍ بين معتدلٍ ومتطرف، مهتم بالعمل الفدائي، وآخر مهتم بالعمل الحزبي.

وخلالَ شهرِ أغسطس/آب 1970 ألفٍ و تسعمئةٍ وسبعين م، بدأ الجيشُ الأردنيُّ في التحركِ حسبَ خطةٍ عسكريةٍ واحدةٍ؛ للتمركزِ في المناطقِ الحساسةِ التي تمكّنُ من محاصرةِ الفدائيين من جهةِ، وقطع طرق الإمداد عنهم من جهة أخرى.

وقبل تناولِ ما قامَ به النظامُ في المرحلةِ الثانية، لابدَّ من تقسيمِ الأردن إلى ثلاثِ مناطقَ من حيثُ نفوذ ُ النظام الأردني والمقاومة الفلسطينية:

1. مناطق تميل فيها كفة النفوذ لصالح النظام؛ وهي مناطق الجنوب.

2. مناطق يتساوى فيها النفوذ بين النظام والمقاومة؛ مثل مدينتي عمان والزرقاء.

3. مناطق تميل فيها كفة النفوذ لصالح المقاومة؛ وهي مناطق الشمال.

وفي كل منطقة عمد النظام إلى ارتكاب مذابح تتناسب مع توازن القوى القائم فيها.

في الجنوب، قام النظامُ بشنِّ حملاتٍ واسعٍة ضدَ مكاتبِ المنظمات الفدائية وضد المواطنين الفلسطينيين، أسفرت عن عدد غير معروف من القتلى والجرحى، وكانت تلك العمليات أشبه بالمذابح الإرهابية التي عملت على تصفية نفوذ المقاومة هناك بشكل نهائي.

وفي عمانَ والزرقاءَ، لم يكنِ النظامُ قادرًا على ترتيبِ عملياتٍ مماثلةٍ لما حدثَ في الجنوبِ، فعمِد إلى أسلوبِ العملياتِ العسكرية الصغيرة واليومية ضد المقاومة، والتي أدت في النهاية إلى إنهاك قوى المقاومة العسكرية، ودفع المواطنين للتذمر والمطالبة بتوفير الاستقرار حتى يتمكنوا من كسب أرزاقهم.

ومن المعلومات الغريبة التي سرّبت بعد ذلك أنّ الأردن طلب طلباً رسمياً من إسرائيل التدخل لحمايته من تغوّل القوات الفلسطينية آنذاك.

فبحسب الوثائق البريطانية التي نشرت أواخر عام ألفين و واحد 2001، فقد خشي الملك الأردني “تدهور” الأوضاع في الشرق الأوسط إلى حرب شاملة مدمرة في حال سيطرة الفلسطينيين الذين كانت تؤيدهم سوريا في صراعهم ضد الأردن، وهذا ما دفعَه إلى مفاتحة الحكومةِ البريطانيةِ والطلبِ منها إقناعَ إسرائيل بالتدخل.

ودعمت سوريا المنظماتِ الفلسطينية التي كانت تسيطرُ على أجزاء من الأردن حتى دمر الجيشَ الأردني قواعدها في “أيلول الأسود”.

رجَحت كفّة النظام الأردني، وكسرَ شوكة الفصائل الفلسطينية، وكان من تبعاتِ هذا الحدث خروج القيادة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، وأدى كذلك لاغتيالاتٍ لاحقةٍ لشخصياتٍ أردنية بارزة، وتوتر العلاقات بين الأردن وفلسطين حتى وقتنا الحالي.

قيادات الصفِّ الأول من عملية “أيلول الأسود” أغلبُهم قد رحلَ عن عالمنا، وكثير من الحقائق لم تتكشف، فهل يكون للتاريخِ القريبِ كلمةَ الفصل في معرفة حقيقة ما جرى؟



المصادر:
1 حكاية ثورة - أيلول الأسود
2 موقع الجزيرة: هآرتس تكشف وثائق أيلول الأسود
3 تقرير الجزيرة: أيلول الأسود.. ذكرى جرح أدمى وجدان العرب
4 موقع فلسطين: أيلول الأردن: لماذا حدث ذلك؟ وماذا حدث؟ وما كانت النتائج؟
5 موقع إضائات: هل دبّر النظام الأردني أحداث أيلول الأسود؟

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء