تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

58:00
دقائق
تنوين
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

لم يدر العرب أنّهم سيكونون وجهاً لوجه أمام نكسةٍ جديدةٍ تكسر من عنفوان طموحاتهم.منذ أن احتلّ اليهود فلسطين، واستوطنوها.. غلت الدماءُ في عروق العرب، وثارتْ حميّتهم لاسترداد أرضهم المغصوبةِ. سارع الكيان الصهيوني بعد النكبة في تطوير ترسانتهِ العسكرية وسطَ حالة احتقانٍ عربية أرادت تحرير فلسطين، حربُ الستة أيام.. هل كان مخططاً لها من قبل؟ أم أنّها حرب كانت قادمة لا محالة؟ هي الحرب التي غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط، فمتى سيتحرر العرب من نكستهم؟


حربُ الأيامِ السِّتَّةِ ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وستينَ

وكانَ منَ الواضحِ أنّ الحربَ الكُبرى بين إسرائيلَ والعربِ قادمةٌ لا محالةَ، والأمرُ لا يتعدّى أن يكونَ مسألةَ وقتٍ لا أكثرَ.

وكان عبدُ الناصرِ يقولُ إنّهُ مُستَعِدٌ لتلَقِّي الضربةِ الأولى؛ كي يحقِّقَ نصراً سياسياً في حالِ استطاعَ الصمودَ.

وكان الخيارُ الثالثُ هو ما اتخذهُ الأردنُّ بقيادةِ الملكِ حسينٍ.

وهو القرارُ الذي انعكسَ بصورةٍ سلبيةٍ على أداءِ الجيشِ المِصريِ، وعلى نتيجةِ الحربِ إجمالاً.
أصوات قصف


وكان عددُ الجرحى في القُّواتِ العربيةِ قُرابةَ خمسةٍ وأربعينَ ألفاً مقابلَ ألفينِ وخمسِمئةِ جريحٍ إسرائيليٍّ

لم يَدْرِ العربُ أنّهم سيكونونَ وجهاً لوجهٍ أمامَ نكسةٍ جديدةٍ تكسِرُ من عُنْفُوانِ طموحاتِهم.

منذ أن احتلَّ اليهودُ فلسطينَ، واستوطنوها.. غَلَتِ الدماءُ في عروقِ العربِ، وثارتْ حَمِيَّتُهم لاستردادِ أرضِهمُ المغصوبةِ.

موسيقى تصاعد الأحداث

وهاهو الوقتُ قد حان للاشتِباكِ القريبِ مع العدوِّ الصهيونيِ، في معركةٍ وُصفتْ بأنّها الأقصرُ في تاريخ الصراعِ العربيِ الإسرائيليِ، وفي الوقتِ نفسهِ كانتِ الأقسى من ناحيةِ النتائجِ.

كيف بدأتِ المعركةُ؟ وماهي أسبابُها؟ وكيف خسِرَ العربُ مجتمعونَ أمام قوةٍ وليدةٍ؟ وهل كان للخيانةِ دورٌ في هذهِ الخسارةِ؟ هذا ما سنعرفهُ في بودكاست [حربُ الغفرانِ.. نكسةٌ ولَوعةٌ].

10 ثواني من الموسيقى الأولية

منذ عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وأربعينَ، وبعد أنِ احتلَ اليهودُ أجزاءً كبيرةً من فلسطينَ، لم تتوقَّفْ أطماعُهم في الاحتلال، وكان اليهودُ يرغبونَ بمدِّ سيطرتِهم على كاملِ أراضي فلسطينَ التاريخيةِ.

وبعد سنواتٍ من إعلانِ دولتِهمُ المزعومةِ، توافدَ إلى فلسطينَ، ملايينُ المهاجرينَ اليهودِ من الدُّولِ العربيةِ والغربيةِ، فتغيّرتْ آليةُ الاحتلالِ تَبَعاً لهذا المتغيّرِ.

وخلالَ عِشرينَ عاماً، سَعَتِ الحركةُ الصُّهيونيةُ بكُلِّ ما تملِكُهُ من أدواتٍ لزيادةِ رُقعةِ الاحتلالِ، وبسطِ النفوذِ، والاستفزازِ المستمرِ للعربِ والمسلمينَ في تلك المنطقةِ المنكوبةِ.

فالحقُّ أنّ حربَ عامِ سبعةٍ وستينَ كانت حلقةً جديدةً من مشروعِ التوسُّعِ الاستعماريِ الذي بدأهُ اليهودُ في فلسطينَ، بعد حربِ ثمانيةٍ وأربعينَ، وحربِ ستةٍ وخمسينَ.

لذلك عمِلَتْ إسرائيلُ وعبرَ سباقِ تسلُّحٍ خطيرٍ على حشدِ كلِ إمكانياتِها العسكريةِ لبدء هذه الحربِ، وما الهجومُ الذي شنّتهُ في العدوانِ الثلاثيِّ على مصرَ إلا حَلَقةٌ مستمرةٌ من البلْطَجَةِ العسكريةِ المستمِّرةِ.

جمال عبد الناصر متحدثاً

على المستوى العربيِّ كان هناك صراعٌ خفيٌّ بين تَيّارينِ رئيسيينِ، تيارٍ يتزعمهُ الرئيسُ المصريُ جمالُ عبد الناصر ِومَن يُشايِعُهُ من الدولِ العربيةِ، والذين كانوا يَعُدُّونَ أنفسَهم “رأسَ الحربةِ ” في محاربةِ الاستعمارِ، وممن يُطلَقُ عليهمُ ”الدولُ التقدميةُ”.

وكانوا يَلْمِزون وينْعُونَ على دُوَلٍ أُخرى باسمِ ”الرَّجْعِيّةِ” ومُهادَنةِ الاستعمارِ، وكانتِ العلاقةُ بينهما أشبهَ ما تكونُ بحربٍ باردةٍ.

فالحالُ أنّ “جمالَ عبدَ الناصرِ” ومن ورائهِ سوريةُ والعراقُ كانوا يؤيِّدونَ المَسَاعيَ الثوريةَ في النضالِ والوِحدةِ ومُجابَهةِ الاستعمارِ، بينما الدولُ العربيةُ الأخرى، وخصوصاً دُوَلُ الطوقِ _ كالأردُنِّ _ كانت في وضعٍ جيوسياسيٍّ لا يسمحُ لها بالمُواجهة المُباشِرةِ، مما سبَّبَ لها القلقَ السياسيَ الدائمَ.

خطابات جمال عبد الناصر تصلح خلفية للأحداث

ومنذ أواخرِ الخمسيناتِ تعالَتِ الأصواتُ في الدولِ العربيةِ (مصرَ وسوريةَ بشكلٍ خاصٍّ) بأنّ المعركةَ مع العدوِّ الصهيونيِّ باتتْ وَشِيكةً، وأنَّ الاستعداداتِ لها قائمةٌ على قَدَمٍ وساقٍ.

إسرائيلُ كانت تَعُدُّ سوريةَ عدوّاً لها، لذلك جرتْ عِدّةُ مُناوشاتٍ بين الجانبينِ لوضعِ اليدِ على مِنطَقةِ الجَولانَ، بوصفِها مكاناً استراتيجياً لكِلا الطرفينِ، وقامتْ عِدّةُ اشتباكاتٍ على الرَّغمِ من الاتِّفاقِ على أنّ هذه المنطقةَ ستكونُ مَنزُوعَةَ السّلاحِ، وتابعةً سياسياً لقُوّاتِ الـ (يو إن).

كلُّ المؤشِّراتِ في أواخرِ الخمسيناتِ، سَواءٌ في مصرَ أو في سوريةَ والأردنِ كانتْ تشيرُ إلى أنّ ساعةَ الصِّفرِ والاشتباكَ باتا قريبَينِ جداً.

وإمعاناً من الاحتلالِ في الاستِفزازِ السياسيِ قامتْ بمشروعِ المِياهِ القَطَريِّ الإسرائيليِّ القاضي بـِنَقْلِ مياهِ بُحيرةِ طَبَرَيا إلى مِنطَقَةِ النَّقَبِ.

وهذا المشروعُ هو جزءٌ من خُطةٍ إسرائيليةٍ للسيطَرَةِ على المياهِ في منابِعِ نهرِ الأردنِّ.

وقامتِ القُوّاتُ السوريةُ بتسديدِ ضَرَباتٍ باتِّجاهِ المِضَخّاتِ التي وضعتها إسرائيلُ في منطقةِ شَمَاليِّ بُحيرةِ طَبريا، وذلكَ لتَجَاوُزِ إسرائيلَ المعاييرَ والاتفاقيّاتِ الدَّوْلِيةَ المتعلِّقةَ بالمُحاصَصَةِ بالنسبةِ لكَمّياتِ المياهِ.

وعلى إثْرِ هذا المشروعِ دعا عبدُ الناصرِ لِقِمّةٍ استثنائيةٍ في القاهرةِ عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وستينَ لوَقفِ هذا المشروعِ والسعيِّ نحو تحويلِ مجرى روافدِ نهرِ الأردنِ إلى سوريةَ ولبنانَ.

وكان من مُخرَجاتِ هذا المؤتمَرِ فكرةُ إقامةِ قيادةٍ مُوحَّدةٍ عربيةٍ بهدفِ الاستعدادِ لأيِّ مُواجَهاتٍ عسكريةٍ محتمَلةٍ بين دولِ الطوقِ وإسرائيلَ، وعدَمُ القيامِ بأيّةِ استفزازتٍ عسكريةٍ كي لا تتخذَها إسرائيلُ ذَرِيعةً للهجومِ على الجبْهاتِ العربيةِ.

لكنَّ المحذورَ قد وَقَعَ، وشَعَرتْ إسرائيلُ أنَّ الدولَ العربيةَ قدِ اتَّحَدَتْ لأوّلِ مرةٍ ضدَّها، مما أشْعَرَها بالقلقِ والخوفِ من تصاعُدِ هذهِ التحركاتِ.

انفجار لغم

وخلالَ نهايةِ عامِ ستةٍ وستينَ وقعَتْ عِدّةُ أحداثٍ ساهمَتْ بشكلٍ مباشِرٍ في تَسَارُعِ العمليةِ العسكريةِ بين العربِ وإسرائيلَ، فقد انفجرَ لُغمٌ في دوريّةٍ إسرائيليةٍ على حدودِ الضفةِ الغربيةِ قُتلَ على إثرِه جنودٌ صهاينةٌ، فردَّتْ إسرائيلُ بالهجومِ على قريةِ ساعورَ وقتلَتْ اثني عشَرَ فِلِسطينياً.

وفي الوقت نفسهِ شنَّت طائراتُ العدوِّ الإسرائيليِ هجَماتٍ جويةً على أراضٍ سوريّةٍ، كانت نتيجتُها إسقاطَ أربعِ طائراتٍ سوريةٍ بسلاحِ الجوِّ الإسرائيليِّ.

أما التصريحُ الذي قالهُ ”إسحقُ رابينُ” في ذلك الوقتِ عن سوريّةَ فكان بمثابةِ إعلانِ حربٍ حقيقيٍ، حيثُ هدَّدَ سوريّةَ صراحةً بأنّها إذا استمرتْ في دعمِ حركاتِ المقاومةِ الفلسطينيّةِ فإنّ اسرائيلَ لن تتوانى عن توجيهِ ضَرَباتٍ عسكريةٍ لها لتأديبِها.

نضع صوت

كانت علاقاتُ سوريّةَ ومصرَ مع الاتحادِ السوفييتيِّ قويةً، وقد سرّبَ الاتحادُ لعبدِ النّاصرِ أنّ هناك هجوماً وشيكاً سيكونُ على سوريّةَ من قِبَلِ إسرائيلَ، وكان عبدُ الناصرِ يظنُّ أنّ الاتحادَ السوفييتي إنْ قامتْ حربٌ وشيكةٌ سيقِفُ معهُ.

لذلك رفعَ الجاهِزيةَ العسكريةَ للقُواتِ إلى الدرجةِ القُصوى وأمَرَ قُواتِ الطوارئِ بالانسحابِ من الحدودِ مع إسرائيلَ دونَ سحبِها من قِطاعِ غزةَ.

نضع صوت جمال عبد الناصر متحدثاً عن مضائق تيران

وفي حركةٍ مفاجِئةٍ قررتْ مصرُ إغلاقَ مضائِقِ ”تيرانَ” بوجهِ السفنِ التي ترفعُ العلمَ الإسرائيليَ.

وهو ما عدّتْهُ إسرائيلُ سبباً مباشِراً في القيامِ بالحربِ.

كان الشارعُ العربيُ يعيشُ حالةً من المعنوياتِ العاليةِ، نتيجةً للضَّخِّ الإعلاميِ الكبيرِ الذي صوّرَ أنَّ معركةَ تحريرِ فلسطينَ باتتْ وشيكةً.

ساهَمَ في هذه الروحِ المعنويةِ العاليةِ الكاريزما القويةُ لجمالِ عبدِ الناصرِ وقيامُهِ بعددٍ من الإجراءاتِ كتأميمِ قناةِ السُّوَيسِ وبناءِ السدِّ العالي ساهمتْ في رفْعهِ بين الشعوبِ العربيةِ إلى مرتبةِ ”القائدِ العربيِّ الأوحدِ” أو ”المخلّصِ”.

هتاف لجمال عبد الناصر

ومن جهةٍ أخرى كانت رحى حربٍ نفسيةٍ تدورُ، وكان ميدانُها الإذاعاتِ العربيةَ، وبدأَتْ صَيْحاتُ النصرِ والظَّفَرِ قبلَ بَدءِ المعركةِ تتعالى، خصوصاً من إذاعةِ ”صوتِ العربِ” ونداءِ أحمدَ سعيدٍ الذي ارتبطَ صوتهُ بالعبارةِ الشهيرةِ (هنا دمشقُ) تعبيراً عن التضامنِ الكبيرِ مع سوريّةَ في مُواجهةِ العدوِّ الإسرائيليِّ.

أحمد سعيد .. إذاعة صوت العرب

كانت مصرُ تُدارُ من قِبَلِ رجُلينِ حقيقةً، عبدِ الناصرِ من الجانبِ السّياسيِّ وعبدِالحكيمِ عامرِ من الجانبِ العسكريِ.

في ذلك الوقتِ كان عبدُ الناصرِ يرى أنّ المواجهةَ مع إسرائيلَ حتميّةٌ، وبِوُسعِ مصرَ التصدّي للضّرَباتِ الأولى ومن ثَمّ تحقيقُ نصرٍ باهرٍ، بينما كانتِ القيادةُ العسكريةُ المِصرِيةُ تَعرفُ يقيناً أنّ المواجهةَ لم تكنْ في صالِحِ مصرَ إطلاقاً.

ليفي أشكول

كانتِ الاستخباراتُ الإسرائيليةُ في ذلك الوقتِ لديها تفاصيلُ كاملةٌ عن حالةِ الجيوشِ العربيةِ وقدراتِها وإمكانياتِها، ومعلوماتٌ دقيقةٌ عن كلِّ التحرُّكاتِ العسكريةِ في مصرَ وسوريّةَ والأردنَ، وهو ما جعلَ توقعاتِها أكثرَ دِقّةً وشمولاً.

نضع صوت صحفي روسي

قبلَ خمسةِ أيامٍ من الحربِ، استدعى الاتحادُ السوفياتي القيادةَ الإعلاميةَ والنُخَبَ السياسيةَ السوريةَ، وطلبَ منهم أن يخفِّفوا الضخَ الإعلاميَ، وذلك لسببٍ بسيطٍ، وهو أنّ “دمشقَ” دونَ حِمايةٍ، ولن يكونوا قادرينَ على صدِّ الهجومِ إلا إذا امتلكوا صواريخَ مضادةً للطيرانِ، ولم تكنْ متوفّرةً بحَوزَةِ الجيشِ السوريِّ آنذاك.

لم تكنِ الجُيوشُ العربيةُ لدولِ الطَّوقِ قادرةً على صدِّ الهجومِ وإمكاناتُها لم تكنْ في مستوى الإمكاناتِ العسكريّةِ الصهيونيةِ، من ناحيةِ العددِ ولا من ناحيةِ العُدّةِ.

كانتِ القيادةُ الصهيونيةُ مستعدَّةً لتسديدِ ضرباتٍ في ثلاثِ جبهاتٍ في الوقتِ ذاتهِ، في الضفةِ الغربيةِ (الأردنِ) وفي الجولانَ (سوريا) وفي سيناءَ (مصرَ).

صوت طيران ميراج

حصلَ الجيشُ الإسرائيليُ على طائراتِ ”ميراجَ” الفرنسيةِ وهو ما جعلَ الكَفةَ تميلُ لصالحهِ، إضافةً إلى قدرةِ التشكيلاتِ العسكريةِ على التمرينِ والتدريبِ تحت أقسى الظروفِ.

أثبتت الوثائقُ العسكريةُ الإسرائيليةُ التي سُرِّبتْ لاحقاً عن الحكومةِ الأمنيةِ المصغرةِ للاحتلالِ قُبَيلَ الحربِ بأيامٍ أنّ النيَّةَ مبيّتَةٌ لضربِ المواقعِ العسكريةِ في الساعاتِ القليلةِ القادمةِ، أي أن حربَ سبعةٍ وستينَ بالنسبةِ لليهودِ كانتْ حرباً هُجُومِيةً مخططاً لها بكلِّ دقةٍ.

يقول إسحقُ رابينُ: “ما من شكٍّ أنَّ هدفَنا الأساسيَّ هو توجيهُ ضربةٍ قاصِمةٍ لعبدِ الناصر”.

خطاب عبد الناصر

ساعةُ الصفرِ والهزيمةُ السريعةُ:

نضع صوت طيران

في صباحِ يومِ الخامسِ من حزيرانَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةٍ وستينَ خرجت أسرابُ الطيرانِ الإسرائيليِ محلِّقةً على ارتفاعٍ منخفِضٍ وقصفتْ مطاراتِ العريشِ والقاهرةِ وكلَّ المطاراتِ العسكريةِ، مُدمِّرةً كلَّ السلاحِ الجويِ المصريِ وهو رابِضٌ في مواقعهِ دون حِراكٍ ولم يَنْجُ من التدميرِ سِوى عشرينَ طائرةً فقط!!

https://youtu.be/IRji87kyGtY?t=722

أكثرُ من أربعمئةِ طائرةٍ مِصريةٍ أصبحتْ خارجَ الخدمةِ في ظرفِ دقائقَ نتيجةَ القصفِ المتَتَابِعِ، وكان ظاهراً أنّ كَفَّةَ الحربِ قد رَجَحَتْ لصالحِ الجيشِ الإسرائيليِ.

المطارُ الوحيدُ الذي لم تقصِفْهُ إسرائيلُ هو “مطارُ العريشِ” لأنّها أرادتْ أن تجعلَهُ منطقةً عسكريةً خاصةً بها بعدَ السيطرةِ عليهِ لإدارةِ مُجرَياتِ العملياتِ منهُ.

صوت تدمير

لم تكنِ الخسائرُ خاصةً بالسلاحِ المِصريِ فحسبُ، فقد مُنِّيَتِ الأردنُّ أيضاً بخسارةِ أكثرَ من ستِّ طائراتٍ وعشرينَ طيّاراً، أمّا الضّربةُ القاصمةُ الثانيةُ فكانتْ في سوريّةَ حيثُ خَسِرَتْ القواتُ السوريةُ آنذاكَ أكثرَ من سبعينَ طائرةً وهو ما يُعادلُ ثُلُثَ الدفاعاتِ الجويّةِ السوريةِ وكلُ هذا في يومٍ واحدٍ فقط!

قصف الطيران

إضافةً لهذا فقد دمَّرَ سلاحُ الجوِّ الإسرائيليِ عدداً من الطائراتِ الرابضةِ في غربيِّ العِراقِ، وبهذا الفعلِ يكونُ قد بَسَطَ سيطرةً شبهَ كاملةٍ على السّماءِ العربيّةِ بضَرَباتٍ سريعةٍ ومباغتةٍ ومنها تحوّلَ إلى الخُطوةِ الثانيةِ.. الهُجُومِ البريِّ على سيناءَ والضِّفةِ والجولانِ.

كانتِ القواتُ الأردنيةُ تقفُ على خطِّ مواجهةٍ بطولِ أربعمئةٍ وخمسينَ كيلو متراً، فاحتملتِ العبءَ الأكبرَ في مواجهةِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ.

بعدَ تدميرِ الطائراتِ الأردنيةِ من قِبَلِ سِلاحِ الجوِّ الإسرائيليِ، وتركِ القواتِ البرّيةِ دون غِطاءٍ، تقدمتِ القواتُ الإسرائيليةُ في الضفة وتعمَّقَتْ فيها حتى فَصَلَتِ القدسَ عن الضفةِ ووصلَت إلى جِنينَ.

نضع دخول اليهود للقدس وفرحهم

كان الأردنُّ حينَها في وضعٍ لا يُحسَدُ عليهِ، ووُضِعَ أمامَ ثلاثةِ خياراتٍ كلُّ واحدٍ منها أمَرُّ من الآخَرِ، خصوصاً بعد سقوطِ جبهةِ المقاومةِ في مِصرَ.

إمّا أنْ يبقى الجيشُ في الضِّفّةِ الغربيةِ وهذا يعني خسارةَ الضفةِ والجيشِ معاً

وإمّا أن يَسْحَبَ الجيشَ كُلياً من الضّفةِ فيكسِبَ الجيشَ ويخسَرَ الضِّفةَ كُلِّياً.

وإمّا أن يسحبَ الجيشَ جُزئيّاً ويطلبَ من مجلسِ الأمنِ وقفاً لإطلاقِ النّارِ، وبهذا يكسِبُ جُزءاً من الجيشِ وجُزءاً من الضفةِ الغربيةِ..

موسيقى حزينة

وسَقَطَتِ القدسُ بالكاملِ وتَحقَّقَ للجيشِ الإسرائيليِّ حُلُمُهُ الذي لم يقدِرْ على تحقيقهِ في حربِ ثمانيةٍ وأربعينَ

أما على جبهةِ سيناءَ والعريشِ فكان الوضعُ مأساويّاً أكثرَ، فقد شنّتِ القواتُ الإسرائيليةُ طلَعاتٍ جويةً وهجماتٍ بريةً متزامنةً، ودخلتِ الألْوِيةُ العسكريةُ سيناءَ خلالَ يومينِ، دارتْ معاركٌ واشتباكاتٌ بين القواتِ المصريةِ والإسرائيليّةِ وأمَرَ بعدَها المشيرُ عبدُ الحكيمِ عامرُ أوامرَهُ بالانسحابِ العامِّ من سيناءَ إلى غربِ السويسِ.

وفي جبهةِ الجولانِ السوريةِ، اعتَمَدَتِ القواتُ السوريةُ منهجيةَ القصفِ المُرَكَّزِ على المواقعِ الإسرائيليةِ دونَ محاولاتٍ للتقدمِ أو الهجومِ.

وخلالَ الأيامِ الخمسةِ الأولى من الحربِ، لم يكنِ الهجومُ على هضَبةِ الجولانِ ضمنَ الخطةِ الإسرائيليةِ، لكنْ وبعدَ احتلالِ غزةَ والضفةِ وسيناءَ وتدميرِ كلِّ السلاحِ الجويِّ المصريِ؛ رأتِ القيادةُ الإسرائيلية نقْلَ قِسمٍ من قُوّاتِها إلى الجولانِ للسيطرةِ عليها.

نضع البيان رقم 66

وهنا حصلَ تطوُّرٌ خطيرٌ في قضيةِ الجولانَ، إذ إنَّ وزيرَ الدفاعِ آنذاكَ _ حافظُ الأسدُ _ أذاعَ البيانَ الشهيرَ برقمِ ستةٍ وستينَ القاضي بسُقُوطَ القُنيطِرةِ في يدِ الاحتلالِ الإسرائيليِ بعد معاركَ ضاريةٍ، وهذا الإعلانُ سبّبَ تخلخلاً في صفوفِ القواتِ، إذ إنّ القنيطرةَ حينها لم تسقُطْ، والقيادةُ العسكريةُ المركزيةُ فيها كانتْ لا تزالُ تُقاوِمُ، لكنْ بعدَ صُدُورِ البيانِ تقدّمَتِ القُوّاتُ الإسرائيليةُ واحتلَّتِ الهضَبةَ.

نتائج الحرب:

لم تكنِ الخسائرُ مُقتصِرةً على جبهةٍ دون أخرى، فقد مُنِّيَتِ الجَبَهاتُ العربيةُ كلُّها بخسائرَ فادحةٍ

فعلى صعيدِ القَتلى قُتِلَ من القواتِ العربيةِ ما يقْرُبُ من خمسةٍ وعشرينَ ألفاً بينما في الجانبِ الإسرائيلي سَقَطَ ثمانُمئةِ قتيلٍ.

ووقع في الأسرِ ما يقْرُبُ من خمسةِ آلافِ جنديٍّ، بينما أسَرْنا منهُم عِشرينَ شخصاً

أما الطّامّةُ الكبرى فكانتْ في تدميرِ ثمانينَ بالمئةِ من العَتَادِ العسكريِّ العربيِّ في مقابِلِ خمسةٍ بالمئةِ من العَتَادِ الإسرائيليِ.

هذا على مستوى الخَسَائرِ البشريةِ، أما تَبِعاتُ هذهِ الحربِ، فقد تسَبَّبَتْ بهِجرةِ أكثرَ من أربعِمئةِ ألفِ شخصٍ ونزوحِهم منَ الضفةِ وغزةَ وبورسعيدٍ والسُّوَيسِ وأجبرَتْ مئةَ ألفٍ مِن سُكّانِ الجَولانِ على النزوحِ من ديارِهم.

هذا دُوناً عن المساحاتِ الكبيرةِ التي احتلَّتْها اسرائيلُ في سيناءَ والقدسِ والجولانِ والضفةِ وقطاعِ غزةَ.

ولم تتوقفِ الانكساراتُ على مستوى الخسائرِ البشريةِ والماديةِ فقط، بل وصلَتْ إلى الهزيمةِ النفسيّةِ التي مُنِيَ بها كثيرٌ من العربِ والمثقفينَ، والرِّدّةِ الأخلاقيةِ التي أصابتْ عدداً كبيراً منهم بعد تهشُّمِ الصورةِ النموذجيةِ عن النِّضالِ والحقِّ والمقاومةِ والجدوى.

هولُ الكارثةِ لم يُدرِكْه كثيرٌ من الناسِ حينها، ولا يزالونَ يتذكرونَ ما جرى في تلكَ الأيامِ بغُصّةٍ، وكأنَّ سكيناً تَنهشُ اللحمَ فيهم من جديدٍ.

هذه الحربُ غيّرتْ وجهَ التاريخِ الحديثِ، وكسَرَتْ في النفوسِ العربيةِ طموحاتِ الاستقلالِ والتحررِ، ورانَ على وجوهِ الشعوبِ مرارةٌ وحسرةٌ لم تذهبْ حتى وقتِنا الحالي.

فهل يأتي يومٌ تتحررُ فيهِ الشعوبُ العربيةُ من تَبِعاتِ هذه الحربِ؟ وتكونُ نقطةَ تحوّلٍ لهم في نضالِهم ضدَّ الاحتلالِ؟



المصادر:
1 جذور الحاضر: حرب يونيو 67 بعد نصف قرن
2 موقع الجزيرة: النكسة.. إسرائيل تهزم العرب في ستة أيام
3 حرب 67: روايات النصر/ الهزيمة السورية
4 خبايا خطيرة من أرشيف حرب عام 67
5 النكسة .. "حرب الستة أيام" التي خسرها العرب ضد إسرائيل
6 الفريق قايد صالح... ما له وما عليه حتى آخر نفس

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء