تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

19:00
دقائق
تنوين
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

في فترةِ بينَ الحربينِ العالميتينِ، كانت أوروبا تمورُ في أتونٍ هائلٍ من الأفكارِ والنقاشاتِ، خصوصاً بعدما أثبَتَت كثيرٌ من العقائدِ والتنظيراتِ فشلَها في تبريرِ أو فهمِ ما حصلَ.

قتلى يقدَّرونَ بالملايينِ، ومشردونَ بمئاتِ الآلافِ، دمارٌ هائلٌ يلفُّ بلداناً بأكملِها، ورعبٌ وجوديٌّ يسيطرُ على أفئدةِ الناسِ.

برَزت حينها أحزابٌ وتياراتٌ ترفعُ كلٌّ منها رايةَ الحلِّ للخروجِ من هذهِ الدوامةِ، بعضُها نجحَ لفترةٍ قصيرةٍ نتيجةَ الظروفِ، وبعضُها الآخرُ وُلدَ ميتاً بلا حياةٍ.

في ذلك الوقتِ المشحونِ، برزَت فكرةُ “القوميةِ” التي لم تكن وليدةَ اللحظةِ، بل كانت موجودةً قبلًا، لكنَّ الظروفَ ساهمت في بلورتِها وإضفاءِ القيمةِ عليها.

لم يكنِ الوطنُ العربيُّ بمعزِلٍ عن هذهِ التأثراتِ، فقد وصَلتهُ بذورٌ من هذه الأفكارِ، خصوصاً بعدَ بقائه تحتَ حكمِ الدولةِ العثمانيةِ التي تمزَّقتْ أجزاؤُها بُعيدَ الحربِ.

وسوريا في عشريناتِ القرنِ المنصرمِ أرسلت بِعثاتٍ علميةٍ إلى أوروبا، وخصوصاً فرنسا، وقد كانَ لفرنسا قَدَمُ السبقِ في تقديمِها فكرةَ “القومياتِ” هي وألمانيا، فتشبّعَ المُبتَعثونَ السوريونَ بهذهِ الأفكارِ، ووجدوا أنّها قد تكونُ سبيلاً لحلِّ أزماتِ بلادِهم.

ومن هؤلاءِ الشبابِ السوريينَ العائدينَ (ميشيلُ عفلقُ) و (صلاحُ البيطارُ ) حيث كانا يعملانِ في التدريسِ قبلَ سفرِهما، وحينَ عادا بثَّا أفكارَهما في عقولِ طلابِهم وأصدقائِهم، وكانتِ الفكرةُ التي أرادوا نشرَها هي فكرةَ “حزبِ البعثِ”.

ومن هنا انطَلقتِ الفكرةُ.. فمن صاحبُها الأولُ؟ ومَن هو عرّابُ البعثِ الحقيقيِّ؟ وهل كانَ الآباءُ المؤسسونَ مطبِّقِينَ لفكرةِ البعثِ حقاً أو هي مَطيّةٌ لمصالحَ لاحقةٍ؟ وهل أوصلَ البعثُ قادتَه إلى السلطةِ أو أنَّ الظروفَ حينَها كانت مُهيئةً لمثلِ هذهِ الانتقالاتِ؟

هذا ما سنعرفُهُ في حلقةِ [البعثِ] الفكرةِ التي وُلِدت ميتةً..


حزبُ البعثِ “الفكرةُ التي وُلدت ميّتةً”

في فترةِ بينَ الحربينِ العالميتينِ، كانت أوروبا تمورُ في أتونٍ هائلٍ من الأفكارِ والنقاشاتِ، خصوصاً بعدما أثبَتَت كثيرٌ من العقائدِ والتنظيراتِ فشلَها في تبريرِ أو فهمِ ما حصلَ.

قتلى يقدَّرونَ بالملايينِ، ومشردونَ بمئاتِ الآلافِ، دمارٌ هائلٌ يلفُّ بلداناً بأكملِها، ورعبٌ وجوديٌّ يسيطرُ على أفئدةِ الناسِ.

برَزت حينها أحزابٌ وتياراتٌ ترفعُ كلٌّ منها رايةَ الحلِّ للخروجِ من هذهِ الدوامةِ، بعضُها نجحَ لفترةٍ قصيرةٍ نتيجةَ الظروفِ، وبعضُها الآخرُ وُلدَ ميتاً بلا حياةٍ.

في ذلك الوقتِ المشحونِ، برزَت فكرةُ “القوميةِ” التي لم تكن وليدةَ اللحظةِ، بل كانت موجودةً قبلًا، لكنَّ الظروفَ ساهمت في بلورتِها وإضفاءِ القيمةِ عليها.

لم يكنِ الوطنُ العربيُّ بمعزِلٍ عن هذهِ التأثراتِ، فقد وصَلتهُ بذورٌ من هذه الأفكارِ، خصوصاً بعدَ بقائه تحتَ حكمِ الدولةِ العثمانيةِ التي تمزَّقتْ أجزاؤُها بُعيدَ الحربِ.

وسوريا في عشريناتِ القرنِ المنصرمِ أرسلت بِعثاتٍ علميةٍ إلى أوروبا، وخصوصاً فرنسا، وقد كانَ لفرنسا قَدَمُ السبقِ في تقديمِها فكرةَ “القومياتِ” هي وألمانيا، فتشبّعَ المُبتَعثونَ السوريونَ بهذهِ الأفكارِ، ووجدوا أنّها قد تكونُ سبيلاً لحلِّ أزماتِ بلادِهم.

ومن هؤلاءِ الشبابِ السوريينَ العائدينَ (ميشيلُ عفلقُ) و (صلاحُ البيطارُ ) حيث كانا يعملانِ في التدريسِ قبلَ سفرِهما، وحينَ عادا بثَّا أفكارَهما في عقولِ طلابِهم وأصدقائِهم، وكانتِ الفكرةُ التي أرادوا نشرَها هي فكرةَ “حزبِ البعثِ”.

ومن هنا انطَلقتِ الفكرةُ.. فمن صاحبُها الأولُ؟ ومَن هو عرّابُ البعثِ الحقيقيِّ؟ وهل كانَ الآباءُ المؤسسونَ مطبِّقِينَ لفكرةِ البعثِ حقاً أو هي مَطيّةٌ لمصالحَ لاحقةٍ؟ وهل أوصلَ البعثُ قادتَه إلى السلطةِ أو أنَّ الظروفَ حينَها كانت مُهيئةً لمثلِ هذهِ الانتقالاتِ؟

هذا ما سنعرفُهُ في حلقةِ [البعثِ] الفكرةِ التي وُلِدت ميتةً..

لمحةٌ عن المؤسسينَ:

مِن عائلةٍ دمشقيةٍ عريقةٍ، عُرِفَتْ عبرَ التاريخِ بآثارِها العلميةِ والدعويةِ، ولدَ الابنُ “صلاحُ الدينِ بيطارُ” ابنُ الشيخِ خيرِ الدينِ البيطارِ، وحين بلغَ سنَّ الشبابِ تاقَت نفسُه للدراسةِ في فرنسا، حيثُ كانت موئلَ الطلبةِ النابهينَ، فسافرَ إليها ودرسَ الفيزياءَ هناكَ، ودُهشَ من الحضارةِ والتقدمِ الذي لمسهُ في مُغترَبهِ.[Text Wrapping Break]وهناك _ في فرنسا _ تعرّفَ على صديقٍ اسمُهُ ” ميشيلُ عفلقُ” وتوطَّدَت علاقتُهما بشكلٍ كبيرٍ حتى بعدَ عودتِهما إلى دمشقَ وممارسةِ التعليمِ في مدارسِها.

أما (ميشيلُ عفلقُ) فهو ابنُ دمشقَ أيضاً، ولكن من عائلةٍ مسيحيةٍ أرثوذكسيةٍ متعلمةٍ، سافرَ أيضاً إلى فرنسا لدراسةِ التاريخِ، ثم التقى بصلاحِ البيطارِ، وحينَ عادَ إلى دمشقَ بدأ ينشُرُ أفكارَه عبرَ تدريسِهِ لمادةِ التاريخِ في مدارسِ دمشقَ.

في الوقتِ نفسِه كان “زكيُّ الأرسوزيُّ” الشابُّ العلويُّ المُبتَعَثُ في فرنسا أيضاً قد تبَلوَرت لديهِ أفكارٌ عنِ القوميةِ والعروبةِ، وحين عادَ إلى مسقطِ رأسهِ ” اللاذقيةِ” بدأ يُبشّرُ بما يؤمنُ به.

فهناكَ يمكنُنا أن نفهمَ التصوّرَ الأوليَّ لما جرى لاحقاً.. ثلاثةُ شبّانٍ من طوائفَ مختلفةٍ، آمنوا بالفكرِ القوميِّ العروبيِ، تعلموا في فرنسا، ووجدوا ضالَّتَهم في هذا الفكرِ، وحينَ عادوا إلى سوريا نشروا ما آمنوا بهِ بينَ طلابِهم وتلاميذِهم، قبلَ أن يتحولَ هذا الفكرُ “لحزبٍ سياسيٍّ” سيتغوّلُ ليأكلَ البلادَ كلَّها.

في عام 1932ألفٍ وتسعمئةٍ واثنينِ وثلاثينَ وبعدَ عودتِه من فرنسا أسسَ “ميشيلُ عفلقُ” مشروعًا أسماهُ الإحياءَ العربيَّ، الذي تطورَ لاحقاً ليصبحَ النواةَ الاولى لفكرةِ “حزبِ البعثِ”، وكان عفلقُ في بداياتِ مشروعِه مؤمناً بالشيوعيةِ، لكن بعدَ دعمِ الحزبِ اللبنانيِّ الشيوعيِّ لسياساتِ الاستعمارِ الفرنسيِّ قطعَ علاقتَه بالشيوعيةِ وتوجهَ للعملِ السياسيِّ الحرِّ.

وبتضافُرِ جهودِ الآباءِ المؤسسينَ ( عفلقَ، والأرسوزيِّ، وبيطارٍ) برزتِ الحاجةُ لتأسيسِ حزبٍ سياسيٍّ جديدٍ في سوريةَ يكونُ واجهةً للعملِ السياسيِّ، وتمَّ اختيارُ اسمِ “حزبِ البعثِ” دليلاً على الرغبةِ بالإحياءِ والتجديدِ.

كلُّ هذه الإرهاصاتِ لم تُتَوَّجْ إلا حينَ تحوّلَ الأمرُ إلى مشروعٍ حقيقيٍّ ناجِزٍ، ففي عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وأربعينَ 1947 اجتمعَ الحزبانِ ( حزبُ البعثِ العربي) التابعُ للأرسوزي، وحركةُ الإحياءِ العربي ( التابعةُ لعفلقَ وبيطارٍ ) تحت مُسمىً واحدٍ وهو حزبُ البعثُ العربيُّ، وأعلنَ ولادَتَه، وعُيِّنَ عفلقُ أميناً عاماً له.

يُمكننا أن نعُدَّ تاريخَ ولادةِ الحزبِ في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وأربعينَ 1947 نقطةً فاصلةً في تاريخِ سوريّةَ لأسبابٍ كثيرةٍ:

منها أنّ سورية في ذلكَ الوقتِ نالتِ استقلالَها من فرنسا، ومنَ الطبيعيِّ أن تكونَ البلادُ بُعيدَ الاستقلالِ بحاجةٍ لخططٍ واضحةٍ لقيادةِ البلادِ إلى ضفةِ الأمانِ.

ومنها أنّ الحزبَ لعبَ على وترِ الوحدةِ والقوميةِ، وكانت هذهِ الأفكارُ في تلكَ الفترةِ لها بيئةٌ خِصبةٌ عندَ عمومِ الشعبِ السوريِّ.

انطَلَق الحزبُ من منطلقاتٍ علمانيةٍ قوميةٍ عربيةٍ، رافعاً شعارَ ( أمةٌ عربيةٌ واحدةٌ، ذاتُ رسالةٍ خالدةٍ ) حيث ضمّنَ مبادِئَه الشهيرةَ في الوحدةِ والحريةِ والاشتراكيةِ ).

وأعلنَ عبرَ مؤتمرهِ الأولِ ثلاثةَ أهدافٍ رئيسةٍ:

النضالَ ضد الاستعمارِ من أجلِ تحريرِ الوطنِ.

العملَ على توحيدِ العربِ في دولةٍ واحدةٍ ذاتِ سيادةٍ.

بعثَ الواقعِ العربيِّ عن طريقِ الانقلابِ على ما يسودُه من فسادٍ.

في مطلعِ الخمسيناتِ، توسَّعت قاعدةُ الحزبِ إلى خارجِ سوريا، ووصلَ إلى العراقِ، البلدِ الذي سيشهدُ تأسيسَ حزبِ البعثِ العراقيِّ والذي يتشابهُ مع حزبِ البعثِ السوريِّ في الاسمِ قبلَ أن تظهرَ المشكلاتُ الحقيقيةُ بينهما.

بعد انقلابِ ثمانيةٍ وخمسينَ 58 بقيادةِ عبدِالسلامِ عارفٍ، وإعلانِ الثورةِ على الملكِ فيصلٍ ووليِّ عهدِهِ نوريِّ السعيدِ، انتهى العهدُ الملكيُّ، ودخلَ العراقُ دوامةَ الانقلاباتِ العسكريةِ التي استمرت عقداً من الزمنِ حتى ثمانيةٍ وستينَ 68.

كان الحزبُ الشيوعيُّ العراقيُّ صاحبَ الكلمةِ العليا في الانقلابِ، وأصبحَ عبدُالكريمِ قاسمُ زعيماً أوحدَ للعراقِ، ولم تُفلحْ مساعي ميشيلَ عفلقَ في 58ثمانيةٍ وخمسينَ في إقناعِ أركانِ النظامِ الجديدِ بالانضمامِ إلى الجمهوريةِ العربيةِ المتحدةِ ( سوريا ومصرَ ) بسببِ رفضِ الحزبِ الشيوعيِّ ذلكَ.

في سوريا كان الوضعُ مختلفاً، حيث بدأَ صيتُ هذا الحزبِ يتنشرُ بشكلٍ كثيفٍ في الأريافِ والمناطقِ النائيةِ، ويستعصي على الدخولِ الجِديِّ في المناطقِ الحاضرةِ ( كدمشقَ وحلبَ )، ولهذا أسبابٌ معروفةٌ أبرزُها أنّ الشعاراتِ التي رفعَها الحزبُ كانت مُوجَّهةً للطبقةِ الكادحةِ، لأنَها هي الطبقةُ المطحونةُ والمتأثرةُ بالتغيُّراتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ أكثرَ من غيرِها.

ويضافُ لها أيضاً أن الحزبَ لم يشهدْ شعبيةً قويّةً على عكسِ الحزبِ العربيِّ الاشتراكيِّ ( بقيادةِ أكرمِ حورانيِّ) الذي كانَت شعبيتُه أقوى من حزبِ البعثِ.

وفي تطورٍ خطيرٍ؛ أقنعَ ميشيلُ عفلقُ أكرمَ حورانيَّ بالانضمامِ له، وتوحيدِ الحزبينِ في حزبٍ واحدٍ فأصبحَ اسمُ الحزبِ الجديدِ (حزبَ البعثِ العربيِّ الاشتراكيِّ).

حاولَ كلٌّ من عفلقَ وبيطارٍ وأتباعِهم نشرَ أفكارِ الحزبِ بين صفوفِ السوريينَ، وقاموا بوضعِ مبادئَ عامةً له بقِيَت هذهِ المبادئُ والشعاراتُ تُردَّدُ على مدى عقودٍ بعدَهما.

يُعَدُّ دستورُ الحزبِ أهمَّ وثيقةٍ أساسيةٍ صدرَت عنهُ، لرسمِ سياساتِ الحزبِ في مختلِفِ المجالاتِ الداخليةِ والخارجيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والتربويةِ والتعليميةِ.

خلالَ الفترةِ الزمنيةِ الواقعةِ بين عامِ التأسيسِ ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ و أربعينَ 1947 وبين عامِ إعلانِ الوحدةِ بين سوريا ومصرَ ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وخمسينَ 1958 كانت سوريا تمورُ بالأحداثِ الجسيمةِ التي سترسِمُ معالمَ البلدِ لعقودٍ لاحقةٍ، فانتَشَرت في تلك الفترةِ الانقلاباتُ العسكريةُ، وعانتِ البلادُ من مرحلةِ تخلخُلٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ وسياسيٍّ.

وهو المُوجهُ لاتخاذِ القراراتِ الحزبيةِ على مختلفِ المستوياتِ القياديةِ، وهو الضابطُ لآليةِ عملِ الحزبِ لتحقيقِ أهدافِهِ.

لم تُعدَّلْ أيةُ مادةٍ في الدستور منذ إقرارِه في المؤتمرِ التأسيسيِّ المنعقدِ في دمشقَ في أبريلَ/نيسانَ ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وأربعينَ 1947.

وحينَ أعلنَ جمالُ عبدُالناصر ِعن قرارِ الوحدةِ بين سوريا ومصرَ حلَّ الحزبِ نفسِه، وخرجَ ميشيلُ عفلقُ بمرثِيّةٍ تُعلنُ أنّ ” حلَّ الحزبِ هي خطوةٌ في تحقيقِ مصلحةِ أكبرَ وهي الوحدةُ”.

لكن الغريبَ أنّه في تلك الفترةِ انقَسَمتِ القيادةُ الحزبيةُ في كلٍّ من سوريا والعراقِ، ونشأت قيادةٌ مختلفةٌ تماماً في العراقِ وصلَت إلى سُدّةِ الحكمِ وواصَلَت نشاطَها بمعزِلٍ عنِ القيادةِ في سوريا.

وحين قامَ عبدُالكريمِ نحلاويُّ بانقلابِه الشهيرِ، ووقعَ الانفصالُ بين سوريا ومصرَ، عادت قيادةُ الحزبِ لتأييدِ هذا الانفصالِ، وكأنّه انقلبَ على مفاهيمِه ومبادئِه الأولى، فكيفَ يؤيِّدُ فكرةَ “الانفصالِ” حزبٌ من مبادئِه الوحدةُ؟

كانتِ السنواتُ التاليةُ بعدَ الانفصالِ سنواتٍ حاسمةً في مسيرةِ الحزبِ، فقد قامَ عددٌ من الضباطِ البعثيينَ السوريينَ بتشكيلِ “اللجنةِ العسكريةِ الثلاثيةِ” وقوامُها (حافظُ الأسدُ، وصلاحُ جديدُ، ومحمدُ عمرانُ ) وكان هدفُهم غيرُ المعلَنِ السيطرةَ من خلا لِ الحزبِ على البلادِ.

أعطتِ اللجنةُ العسكريةُ السلطاتِ الكاملةَ لأمينٍ الحافظِ، وجعلَته رئيساً للبلادِ، والمُتحَكِّمَ الظاهرَ بأمورِها، لكنهم من وراءِ الستارِ همُ الذينَ كانوا يديرونَ البلادَ.

وحينَ وقَعَت محاولةُ انقلاب سليمِ حاطومِ في عامِ ستةٍ وستينَ 66، بدأت هذه اللجنةُ بتصفيةِ الحساباتِ فيما بينَها، والقفزِ فوقَ كلِّ المبادئِ والشعاراتِ التي نادَتْ بها.

منذ أن وصلَ حافظُ الأسدُ إلى السلطةِ في عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعينَ 1970، استطاعَ بخُبثٍ ودهاءٍ أن يعزِلَ كلَّ المؤثِّراتِ التي تقِفُ في عائقهِ، بدءاً برفاقِ النضالِ الذينّ شاركوه الأمنياتِ والطموحاتِ، وصولاً إلى الآباءِ المؤسسينَ للحزبِ.

حيثُ بدأ _ وبرعايةٍ حزبيةٍ _ بالتخلصِ من معاونيهِ إما بالقتلِ أو الاعتقالِ أو النفيِّ، وأًصبحَ “حزبُ البعثِ” منذُ ذلكَ الوقتِ هو الحزبَ القائدَ للدولةِ والمجتمعِ.

ولم يُسمَح بحياةٍ حزبيةٍ حقيقةٍ منذُ ذلكَ الوقتِ، حيث سيطرَ الحزبُ بكلِّ تشكيلاتِهِ على مفاصلِ البلادِ سياسياً، وعسكرياً، وفكرياً، واقتصادياً.

في الطرفِ الثاني كانَ العراقُ يعاني الأمَرَّينِ وبشكلٍ أقسى من سيطرةِ “حزبِ البعثِ العراقي” حيثُ وصلَ إلى السلطةِ الشابُّ البعثيُّ الطَّموحُ ” صدامُ حسينُ ” والذي غيّرَ قواعدَ اللعبةِ السياسةِ منذُ استلامِه للحكمِ.

فنكّلَ بالمعارضينَ، وقتلَ المخالفينَ، وأحكمَ قبضتَه على الدولةِ ومواردِها، وشنَّ حرباً على إيرانَ تحت ظلِّ الحزبِ ذهبَ ضحيتَها نصفُ مليونِ قتيلٍ عراقيٍّ، وملايينُ الدولاراتِ من خزينةِ الدولةِ.

وبعدَ سنواتٍ قصيرةٍ، غزا الكويتَ في أولِ حادثةِ غزوٍ عربيٍّ-عربيٍ بينَ بلدَينِ شقيقينِ.

ما جرى في سوريا والعراقِ، يعطينا دليلًا واضحًا إلى أيِّ مدىً يمكنُ للأفكارِ أن تحرِفَ مسارَ التاريخِ وتؤثرَ فيهِ.

حتى إنّ المؤسسينَ الآباءَ حين شاهدوا كلَّ هذهِ الجرائمِ التي ترتكبُ باسم “البعثِ” تنصَّلوا منها، وقالوا: ما هذا البعثُ الذي خرجنا من أجلِه!

صلاحُ بيطارُ/ الأبُ المؤسسُ للحزبِ اغتيلَ بطريقةٍ غامضةٍ في فرنسا عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانينَ 1980، ولا أحدَ يعرفُ مَنِ الجاني الحقيقيُّ.

ميشيلُ عفلقُ، شريكُ بيطارٍ في الحزبِ عاشَ هارباً في العراقِ تحت ظلِّ البعثِ صورياً إلى حينِ وفاتِه في عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وثمانينَ 1989م.

وكثيرٌ من الرفاقِ الذينَ ضحَوا بأوقاتِهم وأعمارِهم من أجلِ هذا الحزبِ، كان الحزبُ أولَ من أطعمَهم السُّمَّ، وانتقمَ منهُم.

إرثُ الحزبِ مازال يحكمُ سوريا، تحت منظومةٍ من المبادئِ التي ماتت قبل أن تُولدَ، فهل نَعي الدرسَ في اعتناقِ أفكار ٍ أكثرَ حيويةٍ وملائمةٍ لظروفنا الراهنةِ؟ الكلمةُ الأخيرةُ ستكونُ للتاريخِ!



المصادر:
1 حزب البعث العربي الاشتراكي
2 قصة السوريين مع حزب البعث العربي الاشتراكي: تلفزيون أورينت
3 حزب البعث العربي الاشتراكي : مقال في الجزيرة
4 كتاب البعث السوري| تاريخ موجز
5 كتاب البعث

حلقات اخرى

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أيلول الأسود.. الحرب الأهلية التي أحرقت المراكب

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

حرب الأيام الستة.. نكسة ولوعة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

حزب البعث.. الفكرة التي ولدت ميتة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
الجلاء الفرنسي عن سوريا

الجلاء الفرنسي عن سوريا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

معركة ميسلون .. العين التي قاومت المخرز

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء
وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

وعد بلفور..  الوعد الذي قتل فلسطين مرتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أصداء