تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

47:00
دقائق
تنوين
جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

كتبَ العديدُ من الباحثينَ والمؤرخينَ والرّحالةِ عن هذه المنطقةِ، التي يبدو أنَّها من خلالِ تأريخها، والاهتمامِ بها كانتْ ذاتَ أهميةٍ مميزةٍ عبرَ التاريخِ، القديمِ والحديثِ، وحتى المعاصرِ. فكُتلة الجليل الفلسطينيِّ، امتدادٌ لكتلةِ الجليل اللبناني التي تُعرفُ أيضاً بكتلةِ جبل عامل.

ويُطلق مسمّى جبل عاملعلى المنطقةِ الممتدّةِ بين البحر الأبيضِ المتوسط غرباً ومن الشَّرقِ نهر ِ الحُولةِ ووادي التَّيم وبلادِ البِقاع وقسمٌ من جبلِ لبنانَ ومن الشِّمالِ نهرُ الأولي، ومن الجنوبِ فلسطينُ المحتلة، وقد ضُمّ إلى لبنان بعد إنشاء ما يُعرف بـلبنان الكبيرمن قبل الاستعمار الفرنسي في العام ألفٍ و تسعمئةٍ و عشرين 1920.

وتُرجِعُ معظمُ المصادرِ تلك التسميةَ إلى قبيلة بني عاملةَ السبأية التي هاجرتْ من اليمنِ بعد انهيار سدِّ مأرب، ونزلت هذه الجبال.


جبل عامل والجليل

قبلَ عامِ ألفٍ و تسعمئةٍ و ثمانيةٍو أربعين 1948، وهو عامٌ نُكِبَ فيه العربُ جميعاً إلى جانبِ الفلسطينيين، لم تكنْ تخْلُ مدينةٌ أو بلدةٌ فلسطينيةٌ من اللبنانيينَ، فعاملُ الجغرافيا والتاريخِ إضافةَ إلى الروابطِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ، جعل من منطقةِ “جبل عامل” والجليلِ وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ ورئت

فلم يكنْ يفصِلُ بينَ الجليلِ و “جبلِ عامل” قبل الاحتلالِ الصهيونيِ لفلسطينَ فاصلٌ، وكانت أسواقُ الجليلِ وجبلِ عاملَ خيرَ مكانٍ للقاءِ أهالي المنطقتين، ويذكرُ كبارُ السنِّ في مناطقِ جبلِ عامل، أنهم كانوا يتشاركونَ مع قرى وبلدات الجليلِ في مناسباتِ الأفراحِ والأتراحِ.

كتلة واحدة:

كتبَ العديدُ من الباحثينَ والمؤرخينَ والرّحالةِ عن هذه المنطقةِ، التي يبدو أنَّها من خلالِ تأريخها، والاهتمامِ بها كانتْ ذاتَ أهميةٍ مميزةٍ عبرَ التاريخِ، القديمِ والحديثِ، وحتى المعاصرِ. فكُتلة الجليل الفلسطينيِّ، امتدادٌ لكتلةِ الجليل اللبناني التي تُعرفُ أيضاً بكتلةِ “جبل عامل”.

https://www.youtube.com/watch?v=I4ZHi9gWET0

ويُطلق مسمّى “جبل عامل” على المنطقةِ الممتدّةِ بين البحر الأبيضِ المتوسط غرباً ومن الشَّرقِ نهر ِ الحُولةِ ووادي التَّيم وبلادِ البِقاع وقسمٌ من جبلِ لبنانَ ومن الشِّمالِ نهرُ الأولي، ومن الجنوبِ فلسطينُ المحتلة، وقد ضُمّ إلى لبنان بعد إنشاء ما يُعرف بـ”لبنان الكبير” من قبل الاستعمار الفرنسي في العام ألفٍ و تسعمئةٍ و عشرين 1920.

وتُرجِعُ معظمُ المصادرِ تلك التسميةَ إلى قبيلة بني عاملةَ السبأية التي هاجرتْ من اليمنِ بعد انهيار سدِّ مأرب، ونزلت هذه الجبال.

اقتصاد متكامل:

امتلكَ اللبنانيونَ الآلافَ من الدونماتِ في الجليل، وكان بعضُهم شركاءُ للفلسطينيين في الهمومِ والمصالح، وكانت فلسطينُ تحتضنُ جنوبَ لبنان وأبنائِه للعمل فيها، والعُملة الفلسطينية كانت الأكثرَ تداولاً في معظمِ أسواقِ الجنوب وبلداتِه، فكانَ سوقُ بنتِ جبيل يجمعُ البلادَ من غزة حتى الجليل، وصولاً لسوريا وحوران، كما تَشاركَ الناسُ في هذه المنطقةِ همومَ الحربِ والسلام والهجراتِ والتجارة، وظلَّ اقتصادُ الجليلِ وجبل ِعاملَ متكاملينِ لحدٍ كبير ٍعلى هذه الحال إلى أن وُضعت الحدود بينهما

تبعاً لاتفاقية “سايكس بيكو” وكان الزلزالُ المدّمرُ الذي أدَّى إلى تقاسُم لبنان وفلسطين بين بريطانيا وفرنسا.

ظاهرة التهريب:

أصوات قوافل من الحمير تظهر كخلفية https://www.youtube.com/watch?v=6t2D2pacuc8

لم تمنعِ الاتفاقية ُالتجارية ُبين البلدين التي عُقدت في العام ألفٍ و تسعمئةٍ و واحدٍ و عشرينَ 1921_ونصّت على التبادلِ التجاريِّ للمنتجاتِ المحلية_ من ظاهرةِ التَّهريب، فقد استغلَّ سكّانُ البصّةِ في الطرفِ الفلسطينيِّ موقعَ بلدتِهم، ونشطوا في التَّهريبِ بين المنطقتين، كما اقتنى سكّانُ البصة الحمير والبغال والجِمال خصيّصاً لذلك.

وكانت القوافلُ تعبُرُ ليلاً جبلَ اللبّونة المُطلِّ على الناقورةِ والبصة، وكانت التجارُ اللبنانيون يشترون البضائعَ من حيفا وعكَّا وينقلونَها إلى البصّة، ومنها يتكفّل ملتزمو الَّتهريبِ نقلَها إلى الناقورةِ في الطَّرفِ اللبناني.

وأبرزُ الموادِّ المهرّبةِ كانت البطيخَ والزبيبَ والليمونَ والطحينَ والسكرَ والجلودَ والمواشي، إلا أن هذا الواقعَ تغيّر بعد النكبة عام ألفٍ و تسعمةٍ و ثمانيةٍ وأربعينَ 1948، وفُرِضت قيودٌ على الحدودِ حالتْ بشكلٍ شبهِ تامٍّ دونَ قيامِ أيِّ علاقةٍ بين الجليل وجبل عامل.

زراعة التبغ:

تختلفُ الرواياتُ حولَ التاريخِ الدقيقِ لدخولِ “شتلة التبغ” أو “شتلة الهموم” كما يُسمّيها فلاحو جبلِ عامل، ولكن منذُ غُرِستْ لأولِّ مرّةٍ في ترابِ تلكَ المنطقة، ولدتْ معهَا حكاياتٌ من العذابِ والألمِ والقهرِ والاستغلالِ والحُبّ والاجتماعِ البشري والعلاقاتِ بين القرى والبلدات والمجتمعات.

لقد اهتمَّ فلاحو منطقةِ جبلِ عاملَ بهذه الزراعة، وأخذوا يزرعونَها بالقربِ من منازلهم، في (الجورات) أي أراضيِ الجدار الموجودة بالقرب من البيوت، وكان الدخان العاملي من أفضلِ أنواعِ التبوغ، وتشيرُ الوثائق التاريخية إلى أن َّ زراعةَ التبغ ِدخلت إلى منطقةِ الجليلِ الفلسطينية عن طريقِ لبنانَ في القرن التاسع عشر.

وكانتْ شركةُ التبغِ في حيفا (شركة قرمان)، من أكبرِ شركاتِ صناعة ِالتبغِ في فلسطينَ والعالم العربي، والتي تأسستْ كشركةٍ تعاونيٍة مساهمةٍ عام ألفٍ و تسعمئةٍ و تسعةٍ و عشرين 1929، وكانت تستوعبُ إنتاجَ الفلاحينَ الفلسطينيين من مناطقِ الشِّمال في الجليلِ، وإنتاجِ قرى جنوبِ لبنان في منطقتَي صيدا وصور، التي لم يكن أمامَها من منفذٍ لتسويقِ أوراقِ نباتِ الدخانِ سوى بيعه في فلسطينَ لشركةِ التبغِ الفلسطينيةِ في حيفا.

وكان لزراعةِ التبغِ أثرَه في الحياةِ المجتمعية، وفي تشكيلِ مفاهيمٍ وأعرافٍ جديدة، فمع تسليم موسم الدخان يبدأ موسم “الأعراس”، وكان والد العروس يشترطُ على أهل العريس “النقلة لبعد التسليم”. بهذا يضمنُ والد العروسِ يداً عاملةً أساسية.

كذلك يلعبُ الشِّقُّ الاقتصاديُّ دوره هنا، إذ معَ تسليمِ الموسمِ يتمُّ قبضُ بدلِ الأتعابِ، ويصبحُ بإمكانِ الأهلِ تجهيزً العروس.

واحنا حَدْ مِنَّا ما لاقينا إلا شتلة الخير النحيلة

كل ما بعرس فلاح التقينا

ميلي يا عروس الحقل ميلي

ويديك إن تعبت بتاخد يدينا

يا زارع الشتلة الأصيلة

القوات الفلسطينية وأهالي جبل عامل:

عاشت العائلاتٌ الفلسطينيةٌ في قرى الجنوبِ اللبناني قبلَ إنشاءِ المخيّماتِ الموجودةِ في لبنان،َ وعمِلَ الفلسطينيُّ بجانبِ أهالي المنطقةِ في زراعةِ التَّبغِ وتشاركَ معه همومَها، وكان العملُ الفدائيُّ يشهدُ حَراكاً يقودُه فلسطينيون يعبُرونَ الحدودَ التي تشكّلت قسْراً، لمهاجمةِ العصاباتِ الصهيونية.

https://www.youtube.com/watch?v=FEOdIpkHuhY&list=PLOtKN6EQDdwBHNPHxKaJgBt6t7WvUSYLr&index=126

كما ساهمتْ مشاركةُ مقاتِلي المقاومةِ الفلسطينيةِ في قِطافِ التبغِ والزيتونِ وزراعة الشعيرِ بخلقِ علاقاتٍ إيجابيةً في المنطقةِ بين الطرفين.

تتشابَه عاداتُ وتقاليدُ منطقةِ جبلِ عامل، بالنسبةِ لشمالِ فلسطين، وخاصةٍ بلداتِ وقرى الجليل، فتزويجُ الأبناءِ في سنٍّ مبكرةٍ، كون المجتمعِ زراعياً، كان من أبرزِ سمات سكَّان المناطق. والزواجُ لم يكن يتوقَّف على مشيئة الأب، وقبله الجد فحسب، إذا كان على قيد الحياة، بل الأفضلية في الزواج تكونُ من ابنة العم، بهدف المحافظةِ على عصبِ العائلة، وفي أكثرِ الأحيانِ كان الوالدُ يتهرَّب من طالبي يد ابنته، فيقول لهم أن ابنته مطلوبة لابنِ عمها.

وكانت المسألة الطبقية، من أبرز عادات الزواج سابقاً، فأبناء الأغنياء والتجار وأصحاب العقارات الكبيرة، لا يتزوجون إلا بناتَ أشخاصٍ ذوي مراتبَ اجتماعية عالية.

وأبناءُ الفقراء ِأيضاً، كانوا يفتشون على بناتٍ من أمثالهِم، ونادراً ما كان يحدثُ عكسُ ذلك، وكان من الصعبِ أن يطْلُبَ أحدُ الفقراءِ لابنِه فتاةً من بيتٍ مرموقٍ وغنيٍ، لأنَّ الطلبَ يُرفض غالباً.

وهناكَ عائلاتٌ دينيةٌ في بعضِ البلدات، بقيَ الزواجُ ضِمنها داخلياً، بحيثُ كان يمنَعُ على الفتاةِ أن تتزوَّج من خارجِ عائِلتها، أو من أبناءِ وبناتِ العائلات الدينية الأخرى.

ويغلِبُ على المجتمع ِالزراعِيِّ صفةَ الإنجابِ بكثرةٍ، وكانتْ نسبةُ من لديهم ما بين 5 خمسة و عشرةِ أولادٍ كبيرة، خاصةً في البلداتِ التي يغلِبُ عليها الطابَعُ الزراعي، ففي ظِلَّ بدائيةِ العملِ سابقاً، وعدمِ وجودِ مكنةٍ، والحاجةِ إلى يد ٍعاملةٍ، فإنَّ ظاهرةَ الإكثارِ من الأولادِ في المجتمع ِكانت طبيعية وواضحةً تمامَ الوضوح.

عادات الأفراح:

تتشابَه عاداتُ وتقاليدُ الأعراسِ في المناطقِ القريبةِ من بعضِها البعض، فقديماً كانتْ مهمةُ اختيارُ العروسِ موكلةٌ إلى الأم، ولم يكن مسموحاً للشابِّ أن يقررَّ هو مسألةَ زواجِه من إحدى الفتيات، فالنِّسوة هُنَّ من يُقمْن بالمَهمَّة، لدى أهلِ العروسِ، حيثُ يذهبْنَ في أكثرِ من زيارةٍ، يتأملنَ الفتاةَ، من رأسِها حتى أخمصِ قدميها، حتى إذا تمَّ التوافقُ على الأمر، فالخطوة ُالتاليةُ تكونُ “الطِلبة” أو “الجاهة” حيث يدعو والدُ العريسِ شخصياتٍ اعتباريةٍ من كبارِ العائلةِ ووجهاءِ البلدةِ لطلبِ يدِ العروسِ.

وبعد تبادل ِالمجاملاتِ، يعمَدُ رجلُ الدينِ أو أحدُ الوجهاءِ، بالتوجُّه إلى والدِ الفتاةِ، أو إلى جدِّها إذا كان موجوداً قائلاً:” يا بو فلان، إحنا بشرفنَا نطلب إيد بنتكم فلانة لأبنا فلان”، فيرد والدها قائلاً:

”أهلا وسهلاً بكم، إحنا معطيين، بشرِّفناَ نسبْكم”، فيقول الأول : “إحنا قبلنا العطية على المهر المتفق عليه”.. وإذا كان الشابُّ والفتاة ُ أقرباءَ، كانوا يقولون: «زيتاتْكم على بصلاتْكم» و«نحنا أهل».

وبعد ذلك يقومُ العريسُ بمصافحةِ عمه ( أي أبو العروس)، ومصافحةِ الحاضرين، وتقبُل مباركاتهم. ثم توزَّع الحلويات، والمشروباتُ الخفيفة. وفي هذه الأثناء قد تتمُّ كتابَة الكتاب كما في السابق، أو التأجلِ إلى موعدٍ لاحقٍ كما تتفقُ عليه الأسرتان.

ينتقلُ العريسُ مع والدِ العروسِ وأخيها، بعد الانتهاءِ من هذه المراسمِ إلى الغرفةِ التي تجلسُ فيها العروسَ، وعندَ دخولِه تستقبلُه النِّسوة بالزغاريد، وتقفُ العروسُ لاستقباله، فيتصافحان، ويُلبسِها ذبلةَ الخطوبةِ في بُنْصُرِ يدها اليمنى، وتُلْبِسه هي ذبلته أيضاً ويتابِع هو التلبيسَ فيلبِّسها المصاغَ من الساعةِ وأساورِ وحُلي ذهبي، ويجلسانِ بينما تواصِلُ النساءُ الغناءَ والرقصَ على دَقة “الدربكة”، وألحان الأغاني:

والله لاغني بين الجماعـــــــــــــــة أتفضل يا هاظا لبسها الساعــــة

والله لاَغني في وسط الحـــــــــــارة أتفضل يا هاظا لبسها اســــوارة

الدبكة:

هناك عواملُ كثيرةٌ، تاريخيّةٌ وثقافيّةٌ وجغرافيّةٌ وسياسيّة، تتداخلُ وتؤثّرُ في شكلِ طقوسِ الزواجِ والرَّقصِ التراثيّ.

فالدبكة ُ هي من أهمِّ وأشهرِ الفنونِ الشعبيةِ في بلداتِ وقرى جبالِ الجليل وجبلِ عامل، وتزدهرُ الدبكةِ في مناطقِ القرى الفلّاحيّة ، في حينِ تكادُ تكونُ معدومةً في المدنِ كونِها مصدراً مهماً للترويحِ عن النفسِ، وفرصةً مناسبةً لتَلاقِي المحبينَ والعشاقِ، وسماعَ أصواتهم.

ومنهم من ذهب إلى أبعدَ من تلاقي المحبين والعشاق، واعتبر أن الدبكة تلعب وظيفةً تكييفيةً، لأنَّها تدمِجُ حركاتِ الفرد مع حركات الجماعة، وتنسق بين هذه الحركات، وكان يشترك ُبها الرجال والنساء معاً.

ولم تكن الدبكةُ في الأعراسِ فقط، بل هناكَ مناسباتٍ أخرى، تُعقدُ فيها حلقة الدبكة، فبعدَ موسم ِ الحصيدةِ، كان الحصادون والحصادات، يعقدونَ حلقاتِ الدبكةِ، فرحاً وابتهاجاً بالانتهاءِ من هذا العبءِ الكبير.

أيضاً بعد عمليةِ الختان، كان يحصُلُ فرحٌ، وتوزيعُ حلوى، وأحياناً، كانت تُعقد الدبكة، خاصةً إذا كان الطفلُ هو أحد أبناءِ الوجهاء.

الزجل:

تكشفُ لغةُ الزجلِ عن العلاقةَ بين الإنسانِ ووطنِه، وهي علاقةٌ قديمةٌ قِدمَ الأسماءِ، والمفرداتِ، والتراكيبِ، والميزاتِ اللغويةِ، و لغتِه العاميَّةِ. وهو جُزءٌ من تراثِ بلادِ الشام ( سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين)، لكن بالرغمِ من تجزئةِ هذه البلدان، ووضعِ الحدودِ بينها، ظلَّ الجليلُ ملتقىً لتأثيراتٍ زجليةٍ لبنانيةٍ وسوريةٍ حورانيةٍ وأردنيٍة بدوية، ومن هنا كان غنى الزجل الجليليّ بسبب هذه الروافد، وبسببِ التنوُّع السكانيِّ، والتعدُّدِ الطائفي، واختلافِ مظاهرهِ الطوبوغرافية الجميلِة، ففيه جبالٌ أعلاها جبلُ ” الجرمق” أعلى قمةٍ في فلسطينَ، ومروجٍ فسيحةٍ مرجِ بن عامرَ، ومرجِ البطّوفِ، وسهلِ عكا، وشواطىء البحر المتوسّط، وشمال الغور.

ولأن الزجلَ مخلوقٌ لأهلِ الجبال، فقد كانَ الجليلُ مربعاً رحباً ومرتعاً خصباً لكل فنونِ الزجل من شُروقي، وحُداء عادي (من شطرين)، وحداء مربَّع (من أربع شطرات)، وآخر مثمن ( من ثماني شطرات )، و ميجنا، وعتابا، ومعنّى، وقرّادي عادي، وقرّادي موشّح، و مهاهاة نسائية وزغاريد، وأغاني دبكاتٍ مثلِ دلعونا، و جفرا، وظريف الطول، والتهاليل، وأغاني التحنين في توديع الحجاج، وإنشاد الموالدِ والأذكار، وأغاني العمل ِ في الحقولِ والكرومِ وعلى البيادرِ، وجميعِها تكوّن لوحة ً فسيفسائيةً ملونةً وموشّاةٍ ومفوفّة تعكس جمالاً لا يقل عن جمال تلك المنطقة.

كانت المناظراتُ الزجليةُ،من جملةِ العاداتِ والتقاليدِ القديمة، التي تجري في منطقةِ جبل عامل وجبال الجليل، وكانتِ تؤدّى بين زجّالين اثنين، ارتجالاً، ويذكرُ كبارُ السنِّ في المنطقةِ أنَّ أهمَّ هذه المناظراتِ، هي تلك التي حصلت بين «محمود حداثا» من بلدة حاريص، ورجل آخر يدعى «داود»، أثناء حفلةِ ختانٍ، لأحدِ أولادِ قاضي قرية طير شيحا، في شمالِ فلسطين، في أواخرِ القرن التاسع عشر، حيث أخذتْ طابَع التحدي، وخاصةً أنَّ الشاعرين من طائفتين مختلفتين، وهذا ما زاد من أهميتها في نظرِ عامَّة الشعبِ، الذين حفظوا أشعارَها عن ظهر ِ قلبٍ، و تناقلوها عن بعضهم البعض، وكادتِ المناظرة ُ تنتهي بقتالٍ، بعدَ أن أحسّ داود بالهزيمة، أمام محمود، لكنَّ المناظرة انتهت أخيراً بسلام.



المصادر:
1 كتاب وطنان وغربة / المؤلف: علي حسين هاشم
2 موقع اتحاد بلديات بنت الجبيل / تقرير العادات والتقاليد السائدة في المنطقة
3 موقع باب الواد / بعض من تاريخ تبغ جبل عامل
4 موقع جنوبية / جبل عامل كما عرفه مؤرخوه
5 موسوعة ويكيبيديا
6 مقالة بعنوان جراجمة القدس

حلقات اخرى

رفح.. مدينة في دولتين

رفح.. مدينة في دولتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
 الأغوار.. أخفض بقعة على وجه الأرض

الأغوار.. أخفض بقعة على وجه الأرض

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
الجزيرة الفراتية..  وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا

الجزيرة الفراتية..  وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
 وادي خالد.. قَدم في سورية وأخرى في لبنان

وادي خالد.. قَدم في سورية وأخرى في لبنان

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
سهل حوران.. جسد واحد في أراض متفرّقة

سهل حوران.. جسد واحد في أراض متفرّقة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر