تنوين | بلسانٍ عربي
تنوين | بلسانٍ عربي
:
:

مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

35:00
دقائق
تنوين
مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

بخيطٍ عربيٍ، ودمٍ عدنانيٍ، وديارٍ واحدةٍ، ارتبطتِ المدينتانِ بعضُهما ببعضٍ.

فالرقةُ كانت قاعدةَ ديارِ مُضرَ وقلبَ الجزيرةِ النابض، ومُضَرُ من عرَبِ الشمالِ عدنانيونَ نزحوا إلى الجزيرةِ الفراتيةِ قبلَ الإسلامِ بعِدَّةِ قرونٍ واستوطنوها.

أما “الرُّها” _وهو الاسمُ العربيُ لـ “أورفا” قديماً_ فأدخلَها المؤرخُ الرومانيُ “بلينيوس الأكبرُ” في جملَة المدنِ العربيةِ، كيفَ لا وقد كانت منذُ القِدَمِ من كُبرياتِ مدنِ دياِر مضرَ العربيةِ.

ويشيرُ المؤرخُ السوريُ عبدُ القادرِ عياشُ في كتابه “حضارةُ وادي الفراتِ” إلى أُخوّةِ المدينتينِ قائلاً: “وأورفا فراتيةٌ مثلُ الرَّقّةِ وحرّانَ ومِن أخواتِها”


مدنٌ شقيقةٌ

“الرقةُ أورفا”

وادي الفراتِ كتابٌ فيهِ أسرارُ

قد داعبَتهُ حضاراتٌ وأقدارُ

تروي الشطوطُ حروباً لا عِدادَ لها

كما روى وَحشةَ الأهوالِ أغوارُ

على الفراتِ حضاراتٌ مُعفَّرَةٌ

وللفراتِ مع الأيامِ أسرارُ

الأبياتُ للشاعرِ السوري توفيق قنبر

كانتا مثلَ نجمتينِ في السماءِ، انطفأتْ إحداهُما، وبقِيَتِ الأخرى تتلألأُ إلى اليومِ.

وجِهتُنا ستكونُ إلى أعالي الجزيرةِ الفُراتيةِ شماليَ غربيَّ الرقةِ، سننطلِقُ من “بابِ حرّانَ” نحوَ مدينةٍ قديمةٍ وشهيرةٍ يعودُ تاريخُها إلى العهدِ الآشوريِ، وكانت ديرُ الزورِ والرّقةُ والميادينُ من أعمالِها في العهدِ العثمانيِّ على مدى قرنينِ.

امتدادٌ جغرافيٌ وثقافيٌ

في اللغةِ العربيةِ تُسمّى ” كانَ وأخواتُها” أفعالاً ناقصةً؛ لأنها تحتاجُ إلى خبرٍ بجوارِ اسمِها يُتمِّمُ معنى الجملةِ، وفي التاريخِ لا يُمكنُنا الحديثُ عن الرقةِ دونَ ربطِها جغرافياً بسهولِ حرَّانَ التابعةِ لـ “أورفا”.

فالامتدادُ الثقافيُ لمدينةِ الرشيدِ يتّجهُ نحوَ الشمالِ والشرقِ، حيثُ كانَ في الرقةِ بابٌ لم يبقَ منهُ سوى فُتحةٍ كبيرةٍ في جهةِ الشمالِ اسمُه “بابُ حرّانَ” يصِلُ إلى حرّانَ التابعةِ لأورفا، وبابُ بغدادَ الذي كانت تنطلقُ منه القوافلُ مُتَّجِهةً من بلادِ الشام إلى بغدادَ.

بخيطٍ عربيٍ، ودمٍ عدنانيٍ، وديارٍ واحدةٍ، ارتبطتِ المدينتانِ بعضُهما ببعضٍ.

فالرقةُ كانت قاعدةَ ديارِ مُضرَ وقلبَ الجزيرةِ النابض، ومُضَرُ من عرَبِ الشمالِ عدنانيونَ نزحوا إلى الجزيرةِ الفراتيةِ قبلَ الإسلامِ بعِدَّةِ قرونٍ واستوطنوها.

أما “الرُّها” _وهو الاسمُ العربيُ لـ “أورفا” قديماً_ فأدخلَها المؤرخُ الرومانيُ “بلينيوس الأكبرُ” في جملَة المدنِ العربيةِ، كيفَ لا وقد كانت منذُ القِدَمِ من كُبرياتِ مدنِ دياِر مضرَ العربيةِ.

ويشيرُ المؤرخُ السوريُ عبدُ القادرِ عياشُ في كتابه “حضارةُ وادي الفراتِ” إلى أُخوّةِ المدينتينِ قائلاً: “وأورفا فراتيةٌ مثلُ الرَّقّةِ وحرّانَ ومِن أخواتِها”

مهدُ الحضاراتِ

https://www.youtube.com/watch?v=VXNKBUQC6rs

لقد خلّفتِ “الرقةُ” و “أورفا” الآثارَ الدالةَ على أنَّ المنطقةَ كانتْ منذُ آلافِ السنينَ مهدَ الحضاراتِ، فقدْ كانَ سُكانُها خليطاً منَ البابليّينَ، والآراميّينَ، والآشوريّينَ، والمقدونيينَ، والأرمنِ، والنصارى، والعربِ.

كما كانتِ المدينتانِ بمثابةِ مراكزَ دينيةٍ، فقد شهِدَتا في فترةٍ منَ الفتَراتِ انتشارَ الأديِرةِ والرَّهبنةِ التي أدخلَها السوريُ “أفرامُ سيروسُ”، حيثُ جعلَ من الكنيسةِ جامعةً عظيمةً للسوريينَ فغدتِ الرُّها “أورفا” أهمَّ مركزٍ ثقافيٍ للنساطرةِ؛ كذلك كانتِ الرقةُ مركزَ أسقفيةِ، وكان بجوارِها ديرٌ عَظيمٌ مشهورٌ هو “ديرُ زكي”، وكان فيهِ مدرسةٌ لاهوتيةٌ مشهورةٌ يقصِدُها الرُّهبانُ للتَّعَلّمِ.

كم غدا نحوَ ديرِ زكَّى من قلبٍ صحيحٍ فعادَ وهو حزينُ

لو على الديرِ عُجْتَ يوماً لألهتكَ فنونٌ وأطربتكَ فنونُ

لائمي في صبابتي فديتُكَ مهلاً لا تلُمنِي إنَّ الملامَ جُنونُ

تعاقَبَتْ على المدينتينِ أيدٍ كثيرةٌ، فإلى جانبِ عصورِ الرخاءِ والغنى والرفاهيةِ والازدهارِ، ذاقتْ ألواناً من النهبِ والتخريبِ بسببِ الحروبِ والفتنِ في فتَراتٍ كثيرةٍ من تاريخِها، فتارةً كانتْا تقعانِ بيَدِ الرومانِ، وتارةً في يدِ الفرسِ، إلى أنْ فَتَحَهما القائدُ الإسلاميُ عِياضُ بنُ غَنْمٍ، فلَمْ يبقَ بالجزيرةِ موضعُ قدَمٍ إلا فُتِحَ على عَهدِ عُمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه.

وصادَفنا الفراتَ غداةَ سِرنا إلى أهلِ الجزيرةِ بالعوالي

أخذنا الرقةَ البيضاءَ لمّا رأينا الشهرَ لوّحَ بالهلالِ

استمرتِ الصِّلاتُ متينةً بينَ المدينتينِ في فترةِ الإماراتِ الإسلاميةِ، حتى إنَّ أكبرَ عالمٍ فلَكيٍ في عصرِهِ، وهو “البَتَّانيُّ”، جاءَ مِن “حرَّانَ” التابعةِ لـ “الرُّها” وبدأَ بتجاربِهِ في مرصَدِ الرقةِ سنةَ مئتينِ وأربعةٍ وستينَ وأقامَ على عملهِ في الرقةِ اثنتينِ وأربعينَ سنةً.

كما أنَّ دَفينَ “الرقةِ” السلطانَ “عمادَ الدينِ الزنكيَّ”، قد قضى على إمارةِ “الرُّها” الصليبيةِ، وكان ذلك أحدَ أسبابِ اشتدادِ الحمَلاتِ الصليبيةِ على بلادِ الشام.

العهدُ العثمانيُّ

في فترةِ الحكمِ العثمانيِ، وخلالَ صدورِ تشكيلاتِ الولاياتِ العثمانيةِ في عهدِ السلطانِ سليمانَ، كانتِ الرقةُ إيالةً متكونةً من سناجقَ “أي مناطقَ أو مقاطعاتٍ”، وكانَ والي الرقةِ يُقيمُ في أورفا _نظراً لخرابِ الرقةِ على يدِ التتارِ” وصار يُسمّى “والي الرقةِ وأورفا”.

تعرَّضتِ الرَّقةُ للخرابِ في أوائلِ القرنِ السابعَ عشرَ، بعد فشلِ برنامجِ الإعمارِ العثمانيِ الأولِ لمنطقةِ البَلّيخِ والرقةِ، وحينَ تمَّ إعمارُها في أواخرِ سبعينياتِ القرنِ التاسعَ عشرَ، لم يكنْ معموراً فيها سوى واحدٍ بالمئةِ من أراضيها.

خلالَ تحسينِ الحكومةِ لطُرُقِ العرباتِ من منبجَ إلى أورفا وافتتاحِ الطريقِ الجديدِ في عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ، بات ارتباطُ الرقةِ أكثرَ تشابكاً معَ أورفا.

في أواخرِ العهدِ العثمانيِ كانت مدينةُ الرقةِ تتميزُ بتنوعِها الاثنِيِّ المُرَكبِ، وتشيرُ أصولُ العائلاتِ الأولى التي أسستْ نَواةَ المدينةِ، كما الهجراتُ التي استوعَبَتْها، إلى أنَّ سكانَ الرقةِ كانوا مؤلفينَ من عربٍ منحدرينَ من عدةِ عشائرَ عربيةٍ (بو بدران، عقيدات، مصاليخ شمر، موالي، طيّ، دليم) وقد قَدِموا من نواحي الموصلِ ومن بلدةِ العشَّارةِ ومن نواحي أورفا، ومن أكرادٍ ينحدرونَ من عشيرةِ المليّةِ في نواحي أورفا وشرقي ديارِ بكرٍ، وأتراكٍ ينحدرونَ من براجيك، وشراكسةٍ وشيشانَ، وأرمنٍ.

وقد تعززَ الترابطُ ما بينَ أبناءِ المدينةِ من خلالِ الزواجِ المختلِطِ مع تحالفِ (الغول) المؤسسِ للمدينةِ، فتزاوجَ الشراكسةُ معَ الأكرادِ والعربِ، والأرمنُ معَ المسلمينَ.

هذهِ العلاقةُ الوثيقةُ بينَ المدينتينِ عبرَ التاريخِ، خَلَقَتْ حالةً من التبادلِ اللغوي فيما بينَهما، فدخلَتِ الكثيرُ منَ المفرَداتِ التركيةِ، على اللهجةِ الرقيّةِ، شأنُها في ذلكَ شأنُ العديدِ من المدنِ السوريةِ، ومدنِ بلادِ الشامِ بشكلٍ عامٍ.

فكلمةُ “كُفته” و”دولمه” و”يبرق” و”طرشي” وغيرُها من المفرداتِ التركيةِ الّتي دخَلتْ في قاموسِ اللهجةِ الرَّقيةِ، أصبحتْ جُزءاً من تُراثِها اللغويِ، بحسَبِ ما يشيرُ ابنُ مدينةِ الرقةِ الباحثُ حمصيُّ فرحانُ الحمادةُ.

زيارات متبادَلة

في الثالثَ عشَر من تشرينَ الأولِ / أكتوبر عامَ ألفينِ وتسعةٍ أُلغِيَتِ التأشيراتُ الحدوديةُ بينَ تركيا وسوريا، كان هذا اليومُ تاريخياً، ووصَفَهُ وزيرُ الخارجيةِ السوريُّ بـ “الحدثِ التاريخيِّ”، حدَثٌ يفتحُ فيه البَلَدانِ بواباتِهما الحدوديةَ، ويلُغيانِ آخرَ ما تبقَّى من حواجزَ ورقيةٍ بينهما بحسَبِ المواقعِ والصحفِ السوريةِ.

فيما عدّهُ وزيرُ الخارجيةِ التُّركيِّ عيداً للشعبينِ الشقيقينِ السوريِّ والتُّركيِّ.

بعدَ إلغاءِ التأشيراتِ وفتحِ الحدودِ، تنامَتِ العلاقاتُ المُتبَادَلَةُ بينَ “أورفا” و”الرقةِ”، على المستوى الشعبيِّ والحكوميِّ.

حيثُ زارَ في العامِ نفسِه والي “شانلي أورفة” محافظةَ “الرقةِ” مؤكِّداً خلالَ زيارتِه على العلاقاتِ التاريخيةِ التي تجمَعُ المدينتينِ، وهنا نقتبسُ قولَه: “أنا سعيدٌ بوُجودي بينَ أصدقائِي وأشقَّائِي، وزيارتي لمحافظةِ “الرقةِ” لا تختلفُ عن زيارةِ أيِّ مدينةٍ تركيةٍ، والعلاقاتُ التاريخيةُ التي تربِطُ “الرقةَ” و”أورفةَ” خيرُ دليلٍ على ذلك، ولمَسنا هذا في الزياراتِ المُتبادَلَةِ بين الأقاربِ والأهلِ أيامَ الأعيادِ، وما يسودُها من أجواءٍ حميميةٍ وأخويةٍ”

لاجئونَ في أورفا

كحالِ معظمِ مدنِ الجنوبِ التركي تشترِكُ وِلايةُ أورفا مع السوريينَ في الكثيرِ من العاداتِ والتقاليدِ، فمَن يتجوَّلُ في مدينةِ “الأنبياءِ” _كما يُحبُّ أهلُها تسمِيَتَها_ سيُلاحِظُ تشابُهاً كبيراً في الزِّيِّ التقليديِّ معَ أبناءِ الجزيرةِ السوريةِ، سواءً عندَ الرجالِ أو النساءِ.

الولايةُ التي تقطنُها أغلبيةٌ عربيةٌ، وتتمتعُ بطابِعٍ عشائريٍّ، وتنوُّعٍ إثنيٍّ، وشبيهةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ بمدينةِ الرقةِ، يُضافُ إلى ذلكَ العلاقاتُ الاجتماعيةُ والثقافيةُ والارتباطُ العشائريُ الذي تتداخلُ معهُ العوائلُ وبعضُ الحِرَفِ والصِّناعاتِ، كلُّ هذه المقوّماتِ الحضاريةِ والدينيةِ والاجتماعيةِ، كانت دافعاً لأبناءِ مدينةِ الرشيدِ للعيشِ والاستقرارِ فيها.

فالتدميرُ الشاملُ الذي تعرّضتْ لهُ مدينةُ الرقةِ، أجبرَ الكثيرَ من أبنائِها على الهجرةِ خارجَ البلادِ، لتكونَ مدينةُ أورفا ملجأً آمِناً ومشابِهاً لتفاصيلِ حياتِهم.

أيُّها الراكبُ الميمِّمُ أرضيْ أقْرِ مِن بعضي السلامَ لبَعضِيْ

إنَّ جِسميْ - كما تراهُ - بأرضٍ وفؤادِيْ ومالكِيهِ بأرضِ

قُدّرَ البينُ بينَنا فافترقْنَا وطوَى البينُ عن جُفُونيَ غمضِيْ



المصادر:
1 كتاب حضارة وادي الفرات / تأليف عبد القادر عيّاش
2 موقع البناء / مقال للكاتبة نجاح إبراهيم (شانلي أورفة… «الرّها، حرّان» شقيقتا الرقّة)
3 تقرير مصور لتلفزيون أورينت / العشائر العربية تحافظ على تقاليدها في مدينة أورفا التركية
4 وثائقي لتلفزيون الحرة / عرب حران
5 زمان الوصل / التوقيع النهائي على إلغاء التأشيرات بين سوريا وتركيا
6 موقع e-syria (مدونة وطن) / طلاب "الرقة" في ضيافة تركيا
7 موقع e-syria (مدونة وطن) / والي "أورفة" بضيافة أهل "الرقة"
8 رحلة إلى الجزيرة العليّا في تركيا / الكاتب: مهند الكاطع

حلقات اخرى

رفح.. مدينة في دولتين

رفح.. مدينة في دولتين

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
 الأغوار.. أخفض بقعة على وجه الأرض

الأغوار.. أخفض بقعة على وجه الأرض

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

جبل عامل والجليل..وجهان لعملة واحدة ورئتين لجسم واحد

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
الجزيرة الفراتية..  وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا

الجزيرة الفراتية..  وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
 وادي خالد.. قَدم في سورية وأخرى في لبنان

وادي خالد.. قَدم في سورية وأخرى في لبنان

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
سهل حوران.. جسد واحد في أراض متفرّقة

سهل حوران.. جسد واحد في أراض متفرّقة

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر
مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

مدن شقيقة.. روح واحدة تقسمها الحدود

أبواب بودكاست   |   بودكاست أواصر